كتاب الرأي

العدمية السياسية في المغرب : من تآكل الثقة إلى العزوف الانتخابي


مع اقتراب مرور شهر على إعلان نتائج الانتخابات التشريعية بالمغرب، تبرز الحاجة إلى إعادة التوقف عند نسبة المشاركة وأسباب العزوف الانتخابي، في ظل تراجع الثقة في العملية السياسية ومؤسسات الوساطة الحزبية. وقد أسهمت الفجوة بين الوعود الانتخابية والنتائج المحققة في تغذية الشك في جدوى المشاركة، ومنحت الخطاب العدمي فرصة لتقديم العزوف دليلاً على صحة أطروحته. وهكذا تتداخل مسؤولية المروجين للعدمية السياسية مع مسؤولية الأحزاب والنخب التي رفعت سقف الوعود، فيما ظلت النتائج دون مستوى تطلعات المواطنين.



بقلم : الحسين خاوتي

نسبة المشاركة وأسئلة العلاقة بالعمل السياسي
 
تطرح نسبة المشاركة البالغة 38.02% أسئلة حول طبيعة العلاقة بين المواطن والعمل السياسي، ومدى جاذبية العرض الحزبي وقدرته على استقطاب الناخبين. ويستدعي فهم هذه النسبة التمييز بين العزوف الاحتجاجي، وفقدان الثقة في المؤسسات، والعدمية السياسية التي تشكك في جدوى المشاركة وإمكان التغيير.
 

الحصيلة الحكومية وتآكل الثقة
 

تظل الحصيلة الحكومية أحد العوامل المؤثرة في تقييم المواطنين للعمل السياسي، خاصة في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية. فحين لا تنعكس الالتزامات المعلنة على تحسن ملموس في الحياة اليومية، تتسع الفجوة بين انتظارات المواطنين وأداء المؤسسات، وتتراجع الثقة في قدرة الأحزاب على الوفاء بوعودها.
 

الخطاب العدمي : من نقد الإخفاق إلى إغلاق أفق التغيير
 

ينتقل الخطاب العدمي من نقد أداء الأحزاب والحكومات إلى تعميم الحكم على العمل السياسي برمته، وتصوير الانتخابات والمؤسسات المنتخبة مسارات عديمة الجدوى. وتكمن خطورة هذا الخطاب في تحويل الإخفاقات الفعلية إلى مبرر لرفض كل إمكانية للتغيير، بما يحد من استعداد المواطنين للانخراط في الشأن العام.

ومن الضروري التمييز بين العزوف الاحتجاجي، الذي يعبر عن رفض الخيارات الانتخابية المتاحة، وفقدان الثقة في قدرة الأحزاب والمؤسسات على الاستجابة للمطالب، والعدمية السياسية التي تقوم على التشكيك الشامل في جدوى العمل السياسي وإمكان التغيير. فهذه المواقف، وإن تداخلت، تختلف في دلالاتها، كما أن الامتناع عن التصويت لا يشكل في حد ذاته دليلاً على تبني موقف عدمي.

ترتبط مواجهة العدمية السياسية بمعالجة أسبابها الواقعية، وتعزيز مصداقية العمل الحزبي، وربط الالتزامات المعلنة بنتائج ملموسة يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية. كما يرتبط تجديد الثقة بوجود بدائل سياسية واضحة، وبرامج تستجيب للأولويات المجتمعية، وخطاب يعترف بالإخفاقات ويقدم حلولاً قابلة للتنفيذ والتقييم.
 
مسؤولية استعادة الثقة
 


تتوزع مسؤولية استعادة الثقة بحسب اختصاصات الفاعلين المعنيين. فالحكومة مطالبة بتحسين جودة الخدمات العمومية، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، ونشر معطيات دقيقة وشفافة بشأن حصيلتها. وعلى الأحزاب تجديد برامجها وخطابها، وإفساح المجال أمام الشباب، وتقديم وعود انتخابية قابلة للقياس والتقييم. أما المؤسسات المنتخبة، فتتحمل مسؤولية تعزيز التواصل مع المواطنين، وتوفير آليات واضحة لتتبع الالتزامات. ويضطلع الإعلام بدور أساسي في التحقيق في الاختلالات، والتحقق من الوقائع، والتمييز بين النقد المؤسس على الأدلة والأحكام المسبقة، بما يعزز النقاش العمومي والمساءلة.

تتطلب استعادة الثقة رؤية واضحة للإصلاح، تقوم على تحديد أهداف قابلة للقياس، وضبط آجال التنفيذ، واعتماد آليات منتظمة لتقييم النتائج، بما يتيح للمواطن الحكم على جدية الالتزامات المعلنة وأثرها في حياته اليومية. كما أن ترسيخ الممارسة الديمقراطية يرتبط بانتظام المحاسبة، ووضوح المسؤوليات، والاستعداد للاعتراف بالاختلالات وتصحيحها.
 
 
يرتبط الرهان الديمقراطي بقدرة المواطن على التأثير في القرار العمومي من خلال مشاركته الانتخابية، وبمدى استجابة المؤسسات لتطلعاته. وتستند استعادة الثقة إلى وضوح الالتزامات، وشفافية النتائج، وفعالية المحاسبة. وبين نقد الإخفاقات والإيمان بإمكان الإصلاح، تكتسب المشاركة معناها حين تقترن ببدائل ذات مصداقية، ومؤسسات تستجيب للمطالب وتتحمل مسؤولية قراراتها.




الاثنين 19 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic