العنف كرسالة سياسية
في السياقات الطبيعية، يُفترض أن يكون العنف أداة استثنائية تُستخدم لتحقيق غاية سياسية محددة، مهما كان الجدل الأخلاقي حولها. أما في السودان، فقد انقلبت المعادلة: لم يعد العنف وسيلة، بل أصبح هو الرسالة ذاتها. حين تنفصل السلطة عن المساءلة، يتجرد الفعل السياسي من ضوابطه الأخلاقية، ويتحوّل الإرهاب إلى لغة حكم.
انهار مبدأ التمييز، أحد أسس نظرية “الحرب العادلة”، بين المقاتلين والمدنيين. الأسواق، المستشفيات، المدارس، مخيمات اللاجئين، وحتى دور الجنائز، أصبحت أهدافًا مشروعة في حسابات القوة. غارات الطائرات المسيّرة والقصف العشوائي لا تعكس أخطاءً عسكرية بقدر ما تعكس استخفافًا منهجيًا بحياة البشر، وكأن الإنسان لم يعد غاية في ذاته، بل عقبة قابلة للإزالة.
الانهيار الأخلاقي وتشييء الإنسان
ما يجري في السودان يتجاوز حدود الفشل السياسي إلى انهيار أخلاقي شامل. الضحايا لم يعودوا أشخاصًا ذوي حقوق وكرامة، بل تحوّلوا إلى أوراق ضغط وأدوات تفاوض في لعبة نفوذ إقليمي ودولي. التجويع، منع المساعدات، التهجير القسري، كلها أدوات لإعادة تشكيل الخريطة السكانية وفرض الهيمنة.
هذا الواقع يجسد ما وصفته الفيلسوفة حنة أرندت بانهيار التمييز بين الوسائل والغايات؛ إذ لم يعد السلام المحتمل في المستقبل يبرر العنف، بل صار العنف نفسه ممارسة سياسية قائمة بذاتها. في مثل هذا السياق، تفقد السيادة معناها الأخلاقي، وتتحول إلى احتكار مجرّد للإكراه.
دارفور… حين تصبح الهوية حكمًا بالموت
في دارفور، بلغت هذه المأساة ذروتها. هناك، تحولت الهوية العرقية إلى حكم بالإعدام، وأُبيدت جماعات بأكملها لأن وجودها بحد ذاته اعتُبر تهديدًا. العنف الإبادي لا يقتل الجسد فقط، بل يسعى إلى محو الذاكرة والرمز والمعنى. إنه إنكار كامل لحق الآخر في أن يكون شريكًا في عالم مشترك.
هذا المسار يكشف عن فراغٍ عميق في قلب السلطة المعسكرة، حيث تتنافس الفصائل المسلحة على احتكار القوة، بينما يُسحق المدنيون بين مطرقة الحسابات العسكرية وسندان المصالح الإقليمية.
تواطؤ دولي وصمت مكلف
لا يمكن فهم استمرار هذه الحرب دون الإشارة إلى شبكة الدعم الخارجي. تتلقى القوات المسلحة السودانية دعمًا من إيران ومصر وروسيا، بينما تحظى قوات الدعم السريع بتسليح أساسي من الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن وجود أسلحة مصنّعة في الصين وتركيا وصربيا. هذا التداخل يجعل من السودان ساحة صراع بالوكالة، حيث تتغلب الحسابات الجيوسياسية على الاعتبارات الإنسانية.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال ملحًا: أين يقف المجتمع الدولي؟ إن مسؤولية مجلس الأمن الدولي لا تقتصر على بيانات الإدانة، بل تفرض تحركًا عمليًا يشمل توسيع حظر السلاح، وفرض عقوبات اقتصادية على الدول والشركات المنخرطة في تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، وتفعيل آليات المحاسبة عبر المحكمة الجنائية الدولية.
تحذير مكتوب بالدماء
السودان اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية أخرى في سجل العالم المضطرب؛ إنه اختبار لفكرة الأخلاق في السياسة ذاتها. حين يصبح العنف ممارسة روتينية، ويتحوّل الإرهاب إلى أداة إدارة، فإن الخطر لا يهدد بلدًا بعينه، بل يهدد المفهوم الإنساني المشترك للكرامة والعدالة.
إن مواجهة مأساة السودان بصدق تعني التخلي عن وهم أن التاريخ ينحني تلقائيًا نحو العدالة. فالعدالة لا تولد من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على فرض المساءلة. دون ذلك، تظل الحرب الأهلية السودانية تحذيرًا صارخًا: حين تنفلت القوة من كل قيد، يصبح الفناء هو الأفق الوحيد الممكن.
في السياقات الطبيعية، يُفترض أن يكون العنف أداة استثنائية تُستخدم لتحقيق غاية سياسية محددة، مهما كان الجدل الأخلاقي حولها. أما في السودان، فقد انقلبت المعادلة: لم يعد العنف وسيلة، بل أصبح هو الرسالة ذاتها. حين تنفصل السلطة عن المساءلة، يتجرد الفعل السياسي من ضوابطه الأخلاقية، ويتحوّل الإرهاب إلى لغة حكم.
انهار مبدأ التمييز، أحد أسس نظرية “الحرب العادلة”، بين المقاتلين والمدنيين. الأسواق، المستشفيات، المدارس، مخيمات اللاجئين، وحتى دور الجنائز، أصبحت أهدافًا مشروعة في حسابات القوة. غارات الطائرات المسيّرة والقصف العشوائي لا تعكس أخطاءً عسكرية بقدر ما تعكس استخفافًا منهجيًا بحياة البشر، وكأن الإنسان لم يعد غاية في ذاته، بل عقبة قابلة للإزالة.
الانهيار الأخلاقي وتشييء الإنسان
ما يجري في السودان يتجاوز حدود الفشل السياسي إلى انهيار أخلاقي شامل. الضحايا لم يعودوا أشخاصًا ذوي حقوق وكرامة، بل تحوّلوا إلى أوراق ضغط وأدوات تفاوض في لعبة نفوذ إقليمي ودولي. التجويع، منع المساعدات، التهجير القسري، كلها أدوات لإعادة تشكيل الخريطة السكانية وفرض الهيمنة.
هذا الواقع يجسد ما وصفته الفيلسوفة حنة أرندت بانهيار التمييز بين الوسائل والغايات؛ إذ لم يعد السلام المحتمل في المستقبل يبرر العنف، بل صار العنف نفسه ممارسة سياسية قائمة بذاتها. في مثل هذا السياق، تفقد السيادة معناها الأخلاقي، وتتحول إلى احتكار مجرّد للإكراه.
دارفور… حين تصبح الهوية حكمًا بالموت
في دارفور، بلغت هذه المأساة ذروتها. هناك، تحولت الهوية العرقية إلى حكم بالإعدام، وأُبيدت جماعات بأكملها لأن وجودها بحد ذاته اعتُبر تهديدًا. العنف الإبادي لا يقتل الجسد فقط، بل يسعى إلى محو الذاكرة والرمز والمعنى. إنه إنكار كامل لحق الآخر في أن يكون شريكًا في عالم مشترك.
هذا المسار يكشف عن فراغٍ عميق في قلب السلطة المعسكرة، حيث تتنافس الفصائل المسلحة على احتكار القوة، بينما يُسحق المدنيون بين مطرقة الحسابات العسكرية وسندان المصالح الإقليمية.
تواطؤ دولي وصمت مكلف
لا يمكن فهم استمرار هذه الحرب دون الإشارة إلى شبكة الدعم الخارجي. تتلقى القوات المسلحة السودانية دعمًا من إيران ومصر وروسيا، بينما تحظى قوات الدعم السريع بتسليح أساسي من الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن وجود أسلحة مصنّعة في الصين وتركيا وصربيا. هذا التداخل يجعل من السودان ساحة صراع بالوكالة، حيث تتغلب الحسابات الجيوسياسية على الاعتبارات الإنسانية.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال ملحًا: أين يقف المجتمع الدولي؟ إن مسؤولية مجلس الأمن الدولي لا تقتصر على بيانات الإدانة، بل تفرض تحركًا عمليًا يشمل توسيع حظر السلاح، وفرض عقوبات اقتصادية على الدول والشركات المنخرطة في تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، وتفعيل آليات المحاسبة عبر المحكمة الجنائية الدولية.
تحذير مكتوب بالدماء
السودان اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية أخرى في سجل العالم المضطرب؛ إنه اختبار لفكرة الأخلاق في السياسة ذاتها. حين يصبح العنف ممارسة روتينية، ويتحوّل الإرهاب إلى أداة إدارة، فإن الخطر لا يهدد بلدًا بعينه، بل يهدد المفهوم الإنساني المشترك للكرامة والعدالة.
إن مواجهة مأساة السودان بصدق تعني التخلي عن وهم أن التاريخ ينحني تلقائيًا نحو العدالة. فالعدالة لا تولد من تلقاء نفسها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على فرض المساءلة. دون ذلك، تظل الحرب الأهلية السودانية تحذيرًا صارخًا: حين تنفلت القوة من كل قيد، يصبح الفناء هو الأفق الوحيد الممكن.
الرئيسية























































