بقلم : عدنان بنشقرون
على الورق، يبدو هذا دليلاً على استمرارية مؤسسية. أما على الواقع، فالأجواء أكثر صلابة. وقد وصفت عدة مصادر وجود جو من الشك، تغذيه الضغوط على القدرة الشرائية، والتوترات حول أسعار المحروقات، والانطباع لدى جزء من الصف النقابي بأن الحوار ينتج أحياناً وعوداً أكثر من توفير راحة ملموسة في المنازل. حتى ملف التقاعد، الذي يُعرض على أنه هيكلي، شهد تأجيلات وترددات، دلالة على أن التوافق المعلن يبقى هشاً.
هنا يصبح النقاش جاداً. فهذه الجولة تأتي في الوقت الذي يتحدث فيه كل طرف أيضاً إلى قواعده. الحكومة تريد الدفاع عن إنجاز اجتماعي، والنقابات تريد إثبات أنها لم تصمت أمام تدهور الحياة اليومية، أما أرباب العمل فيعرفون أن أي قرار خاطئ بشأن التكاليف أو الرسوم قد يؤثر سريعاً على الاستثمار والعمالة وهوامش الربح. ما يحدث إذن ليس مجرد طقس ربيعي، بل هو تفاوض تحت ضغط، في بلد يراقب فواتيره أكثر من خطاباته.
الرواتب، الحد الأدنى للأجور، الضريبة على الدخل : الإنجاز موجود، لكن هل يكفي للقدرة الشرائية؟
لنكن صريحين، فقد حدث شيء بالفعل. أفرز الاتفاق الاجتماعي في 29 أبريل 2024 التزامات رقمية واضحة. نص على زيادة 10٪ للحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص على مرحلتين، 5٪ أولى في يناير 2025 و5٪ ثانية في يناير 2026. كما تم برمجة زيادة 10٪ للحد الأدنى للأجور القطاع العام على مرحلتين، أبريل 2025 وأبريل 2026. بالنسبة لبعض الموظفين، أقر الاتفاق زيادة صافية بقيمة 1,000 درهم، دفعت على جزئين. كما تم التركيز على تعديلات ضريبية لتحسين الدخل الصافي لبعض الموظفين.
الحكومة من جهتها تدعي بذل جهد مالي غير مسبوق. ففي أبريل 2025، أشار مصطفى بيتاس إلى أن التكلفة الإجمالية للحوار الاجتماعي ستصل إلى 45,738 مليار درهم بحلول 2026 وتتجاوز 46,702 مليار في 2027، مع أكثر من 1,127 مليون موظف متأثرين ببعض الإجراءات. هذه أرقام ثقيلة تعكس خياراً مالياً حقيقياً، سواء دعمناه أو اعتبرناه غير كافٍ.
لكن المشكلة أن الرقم المالي لا يترك انطباعاً مثل سلة التسوق. ففي الكثير من المنازل، لا يتوافق الإحساس مع ما تُظهره الإعلانات. فقد تُستنفد زيادة الأجور على مراحل بسبب غلاء المعيشة. وخفض الضريبة على الدخل مرحب به، لكنه لا يلغي تلقائياً الضغط اليومي على النفقات. هنا تجد النقابات قوة في نقدها، فهي تقول: نعم هناك مكاسب، لكن أثرها الفعلي على القدرة الشرائية لا يكفي لتهدئة التعب الاجتماعي. وهذه قراءة ليست هامشية، بل مستمرة.
من جهة الحكومة، يمكن القول إن مؤسستها للحوار لا تضمن الاقناع. السلطة التنفيذية تحدثت كثيراً عن “خيار استراتيجي”، و“النموذج المغربي”، والاستمرارية. جيد، لكن الحوار الاجتماعي لا يُقاس بجودة عرضه، بل بقدرته على تخفيف التوتر الاجتماعي الملموس. وهنا، يظل الشك قائماً.
مع ذلك، يجب الاعتراف بأن الحكومة لم تختَر سياسة التجميد. فقد فتحت المحفظة المالية، ووقعت ونفذت جزءاً من الالتزامات، وحافظت على الموعد، بينما كان الآخرون ربما فضلوا الانتظار في نهاية الولاية. وفي سياق اقتصادي متوتر، هذا ليس تفصيلاً.
التقاعد، النقابات، انتخابات 2026 : العقدة السياسية الحقيقية لجولة أبريل
القضية التي تشغل الجميع هي التقاعد. منذ 2025، أعادت الحكومة هذا الملف إلى جدول الأعمال، بفكرة إطار أكثر استدامة ومنهجية قائمة على التشاور. فقد انعقد اجتماع للجنة الوطنية لمتابعة ملف التقاعد في يوليو 2025 برئاسة عزيز أخنوش، استكمالاً لجلسة أبريل 2025 للحوار الاجتماعي. الإرادة الرسمية واضحة : التقدم بشكل توافقّي نحو إعادة هيكلة النظام.
لكن التقاعد في المغرب ليس ملفاً فنياً عادياً. فهو يثير على الفور خوف تراجع الحقوق، وتمديد فترة الخدمة، والمجهود المطلوب من العمال قبل أن يُنظر إلى إعادة التوازن على أنها عادلة. النقابات تعرف ذلك، وتعرف أيضاً أن قبول إطار حساس بسرعة قبل الانتخابات التشريعية قد يكون مكلفاً سياسياً أمام أعضائها. ولهذا تُراقب هذه الجولة بعناية: فقد تفضي إلى منهجية، أو تأجيل، أو توتر. لكنها في كل الحالات ستقرأ كرسالة سياسية.
فيما يتعلق بالنقابات، يمكن لومها على أمر قديم لكنه مستمر : الكلام العالي قرب المواعيد، ثم ترك الزخم يهدأ عندما يجب تحويل الغضب إلى متابعة دقيقة، قطاعاً قطاعاً، شركة شركة. النقابات المغربية لا تزال تحظى بالاحترام، لكنها تعاني من شك مستمر لدى جزء من الرأي العام: أنها أكثر صوتية في اللحظات الرمزية منها على المدى الطويل. هذا الشك لا يجب تجاهله، فهو يضعف مصداقية خطابها.
للنقابات حجة بسيطة وقوية : عندما تصبح الحياة أغلى، وعندما يشعر الموظفون أن المكاسب المعلنة لا تصل بالكامل إلى الواقع، فمن واجبهم رفع الصوت. دورهم ليس متابعة الجدول السياسي للحكومة، بل الدفاع عن الذين يعيشون من الراتب، أو المعاش، أو الدخل المحدود، أو العمل الهش. من هذا المنظور، التوتر الحالي ليس موقفاً اصطناعياً، بل ترجمة طبيعية لمعاناة اجتماعية لم تختفِ.
في الجوهر، السؤال الحقيقي ليس هل ستكون هناك صورة جماعية في نهاية الاجتماعات. السؤال الحقيقي أكثر مغربية، وأكثر واقعية، وأكثر صراحة : هل ستحدث هذه الجولة شيئاً محسوساً قبل 2026 للموظف، العامل الزراعي، الموظف العمومي، المتقاعد أو الشاب الذي يبدأ حياته المهنية وهو يشعر أن كل شيء أصبح مكلفاً؟ إذا بقيت الإجابة غامضة، فسيكون الحوار الاجتماعي مجرد واجهة. وإذا نتج عنه خطوات ملموسة، وخارطة طريق واضحة للتقاعد، وقليل من التخفيف على الدخل، فقد يظل له أثر إيجابي.
المغرب بحاجة إلى الحوار الاجتماعي. ليس لمجرد إكمال نموذج مؤسسي. وليس لملء نهاية ولاية. بل لأنه في الديمقراطية الاجتماعية، الثقة بالخطاب العام حول العمل، والدخل، والكرامة هي ما تصنع الفارق. وعلى هذا الأساس، ستقاس آخر جولة. وهذه المرة، لن يُصدر الحكم فقط في قاعات الاجتماعات، بل أيضاً في صناديق الاقتراع
الرئيسية















