كتاب الرأي

الزواج سيمر عبر تكوين أولي : فكرة ممتازة لوزيرة الأسرة


إن فكرة إعداد المقبلين على الزواج للحياة الزوجية قبل توقيع عقد الزواج، التي طرحتها وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، تستحق نقاشاً جاداً بعيداً عن السخرية أو التأويلات السريعة. ففي سياق اجتماعي يعرف تحولات عميقة، أصبح الزواج حلماً قوياً لدى الكثيرين، لكنه في المقابل بات يواجه هشاشة متزايدة خلال السنوات الأولى من الحياة المشتركة، ما يجعل التفكير في تكوين قبلي خطوة ذات وجاهة، شرط ألا تتحول إلى وصاية على الأفراد أو أداة لتغطية الإكراهات الاقتصادية التي تثقل الأسرة



بقلم : عدنان بنشقرون

نتحدث عن التواصل داخل الأسرة حين يصبح الصمت ثقيلاً. ونتحدث عن تدبير المصاريف حين تبدأ القروض والكراء والفواتير في الضغط على الحياة اليومية. كما نلجأ إلى الوساطة حين تتفاقم الخلافات وتتحول العلاقات بين العائلات إلى توتر مفتوح، يصبح معه اللجوء إلى القضاء مسألة وقت فقط.


في هذا السياق، تبدو فكرة التكوين قبل الزواج قابلة للأخذ بجدية، شريطة ألا تُختزل في إجراء شكلي أو حل سحري لجميع المشاكل، وألا تُقابل أيضاً بنوع من السخرية التي تفرغ أي مبادرة عمومية من محتواها قبل تقييمها.


فالحقيقة أن كثيراً من الشباب يستعدون لأسابيع وأشهر لحفل الزواج بكل تفاصيله، لكنهم لا يمنحون نفس الاهتمام لما يأتي بعده، حين تنتهي الأجواء الاحتفالية ويبدأ واقع العيش المشترك بكل تعقيداته.


فالزواج لا يختزل في عقد أو ليلة احتفال، بل هو علاقة يومية قائمة على التفاوض، وتدبير المال والوقت، والتعامل مع العائلات، والضغوط النفسية، والطموحات الشخصية، وأحياناً تراكمات الماضي. ولا أحد يولد جاهزاً لهذا النوع من الحياة.


تنطلق هذه الفكرة من مبدأ بسيط : الوقاية أفضل من الإصلاح بعد وقوع الأزمات.


في العديد من الأسر، لا تبدأ الخلافات بشكل حاد، بل تتراكم تدريجياً عبر تفاصيل صغيرة : قرارات مالية غير متفق عليها، تدخلات عائلية، توزيع غير متوازن للأدوار، ضغوط اقتصادية، أو تغييرات مفاجئة في مسار الحياة، إلى أن تتحول هذه العناصر إلى توتر كبير.


من هنا، يمكن للتكوين المسبق أن يفتح نقاشاً حول هذه القضايا قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية يصعب التحكم فيها.


ويفترض أن يشمل هذا التكوين محاور واضحة مثل الحقوق والواجبات داخل الزواج، وتدبير المال المشترك، وتقسيم المسؤوليات المنزلية، والصحة الإنجابية، وتربية الأطفال، وحدود تدخل العائلات، إضافة إلى مناقشة موضوع العنف الأسري بشكل صريح.


كما من المفترض أن يركز على مهارة الحوار داخل العلاقة، من خلال أسئلة عملية : كيف يتم تدبير الميزانية الشهرية؟ ماذا يحدث عند تغيير أحد الطرفين لعمله؟ كيف تُتخذ القرارات اليومية؟ وكيف يتم التعامل مع الضغوط والخلافات؟


هذه الأسئلة البسيطة هي التي تصنع الفرق بين خلاف عابر وأزمة طويلة الأمد.


ولا تعتبر الفكرة جديدة تماماً، إذ سبق تنفيذ بعض البرامج المرتبطة بالصحة الإنجابية والوقاية من العنف والتوعية الأسرية، غير أن التحدي اليوم يكمن في تحويل هذه المبادرات إلى سياسة عمومية واضحة ومندمجة بدل بقائها مبادرات متفرقة.


في المقابل، يجب الانتباه إلى أن الطلاق ليس دائماً دليلاً على الفشل، بل قد يكون في بعض الحالات مخرجاً من علاقات غير متوازنة أو مؤذية، كما يعكس تطوراً في الوعي الحقوقي والاجتماعي.


فالمجتمع المغربي يشهد تحولات واضحة، حيث أصبحت النساء أكثر تعليماً ومشاركة ومطالبة بالحقوق، في حين يعاد تعريف أدوار الرجال داخل الأسرة بشكل تدريجي.


وهنا تصبح أي مقاربة للتكوين حساسة للغاية، إذ يجب ألا تتحول إلى وسيلة للضغط أو اللوم، بل إلى إطار لتعزيز التفاهم والمسؤولية المشتركة،الهدف ليس ضمان استمرار كل الزيجات، بل تمكين المقبلين على الزواج من أدوات تساعدهم على فهم الواقع قبل الاصطدام به، غير أن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذا التكوين إلى إجراء إداري ثقيل أو شرط بيروقراطي إضافي، بدل أن يكون تجربة بسيطة ومفيدة.


لذلك، يجب أن يكون متاحاً للجميع، مجانياً أو شبه مجاني، وبصيغ متعددة حضورية ورقمية، مع مراعاة الفوارق الاجتماعية واللغوية، كما ينبغي أن يجمع بين مقاربات متعددة : قانونية، نفسية، اجتماعية، وتجارب واقعية، دون الوقوع في خطاب التخويف أو التلقين.


في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بالمعرفة، بل أيضاً بالواقع الاقتصادي : البطالة، كلفة السكن، وضعف الدخل، وهي عوامل تجعل الزواج أصلاً صعب التحقق لدى فئات واسعة من الشباب.


وفي النهاية، تبقى الفكرة الأساسية بسيطة : الزواج ليس لحظة احتفال اجتماعي فقط، بل مسؤولية طويلة تحتاج إلى وعي قبل بدايتها، لا بعد تعثرها.





الجمعة 19 يونيو 2026

في نفس الركن
< >

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic