كتاب الرأي

الذكاء الاصطناعي : لماذا تضع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الصين في قلب المعركة التكنولوجية العالمية؟


أصبح الذكاء الاصطناعي، رسمياً، أحد أبرز ملفات الأمن القومي في الولايات المتحدة



بقلم : عدنان بنشقرون

وأكد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، هذا التوجه خلال خطاب لافت ألقاه في العاصمة واشنطن ضمن فعاليات AWS Summit، شدد فيه على أن المنافسة العالمية في المستقبل لن تُحسم فقط بالجيوش أو الصواريخ أو الموارد الطبيعية، بل بقدرة الدول الكبرى على تطوير والسيطرة على أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً.


وشبّه راتكليف أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي بـ"الأسلحة النووية الرقمية"، في وصف يعكس التحول العميق في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية. فبالنسبة لواشنطن، لم تعد التقنيات الثورية مجرد محرك للنمو الاقتصادي، بل أصبحت عاملاً حاسماً في القوة العسكرية والدبلوماسية والصناعية.


ويأتي هذا الموقف في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، التي تضخ استثمارات ضخمة في مجالات أشباه الموصلات، ومراكز البيانات، والنماذج اللغوية الكبرى، والروبوتات، والحوسبة الكمية، في إطار سعيها المعلن لتصبح القوة الأولى عالمياً في الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل.


وأوضح مدير الـCIA أن الصين تمثل اليوم التحدي الاستراتيجي الأول للوكالة، مشيراً إلى أنه، منذ توليه منصبه، حدد أولويتين رئيسيتين هما : التقنيات الناشئة والصين، اللتان أصبحتا اليوم ملفاً واحداً لا يمكن فصله. ويتمثل الهدف في منع بكين من تقليص الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة أو تحقيق تفوق قد يغيّر موازين القوى العالمية على المدى الطويل.


ولا تقتصر هذه الرؤية على المجال العسكري، إذ تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً القدرة على تسريع البحث العلمي، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحسين قدرات الاستخبارات، وتطوير الخدمات اللوجستية العسكرية، واكتشاف أدوية جديدة، فضلاً عن إحداث تحول عميق في القطاع الصناعي. ومن يمتلك هذه الأدوات سيحظى بأفضلية استراتيجية في معظم القطاعات الحيوية.


وترى وكالة الاستخبارات المركزية أيضاً أن هذه المنافسة تُخاض ضد الزمن، إذ أكد مديرها أن خصوم الولايات المتحدة يعملون بشكل متواصل على نسخ الابتكارات الأمريكية أو الاستحواذ عليها أو الالتفاف عليها، ما يجعل حماية التكنولوجيا المتقدمة لا تقل أهمية عن حماية المنشآت العسكرية الحساسة.


ولمواجهة هذا التحدي، باشرت الوكالة عملية إعادة هيكلة داخلية واسعة لتسريع تبني التقنيات الحديثة. وأعلن راتكليف أن مدة إدماج الابتكارات تقلصت من عدة سنوات إلى بضعة أشهر فقط، كما عززت الوكالة قدراتها في مجالات الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب توسيع شراكاتها مع كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية.


ويعكس هذا التوجه اتجاهاً أوسع يتمثل في تراجع الحدود الفاصلة بين القطاعين العام والخاص في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تطور شركات التكنولوجيا الحلول الرقمية، بينما تسعى الحكومات إلى إدماجها سريعاً في منظومات الأمن القومي، ليصبح الذكاء الاصطناعي مجالاً للتعاون، وفي الوقت نفسه ساحة جديدة للتنافس بين الدول والشركات.


في المقابل، تعتمد الصين مقاربة مختلفة، تقوم على تعزيز التعاون مع الدول الناشئة، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والسعي إلى فرض معاييرها التكنولوجية على المستوى الدولي. وهكذا، تخفي خطابات الابتكار منافسة حقيقية حول من سيضع قواعد النظام الرقمي العالمي في المستقبل.


وتتجاوز هذه المواجهة الثنائية بين واشنطن وبكين بعدها التقني لتطرح سؤالاً جوهرياً : هل سيصبح الذكاء الاصطناعي عامل القوة الرئيسي في القرن الحادي والعشرين، كما كانت الطاقة النووية في القرن الماضي؟ فحين يتحدث مدير الـCIA عن "الأسلحة النووية الرقمية"، فهو لا يصف مجرد طفرة تكنولوجية، بل يعلن عن رؤية جديدة للعلاقات الدولية، تصبح فيها الخوارزميات والبيانات والقدرات الحاسوبية أدوات للسيادة والنفوذ.


وبالنسبة لبقية الدول، بما فيها الاقتصادات الصاعدة مثل المغرب، تمثل هذه التطورات رسالة واضحة. فلم يعد الرهان يقتصر على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحديث الاقتصاد أو تحسين الخدمات العمومية، بل أصبح يشمل أيضاً بناء استقلالية تكنولوجية، وتطوير الكفاءات الوطنية، والمساهمة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.


عموما، تؤكد تصريحات مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حقيقة باتت تفرض نفسها تدريجياً : السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي لم يعد منافسة بين شركات التكنولوجيا فحسب، بل تحول إلى منافسة بين الدول، حيث قد تحدد القدرة على امتلاك أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تطوراً موازين القوى العالمية خلال العقود المقبلة





الاثنين 20 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic