كتاب الرأي

"التدبير العاطفي المغربي" : عندما تصبح العاطفة استراتيجية في العلاقات العامة


لسنوات طويلة، كانت العلاقات العامة تُفهم باعتبارها مجالًا يهتم بنشر المعلومات، وتدبير الصورة، والتعريف بالمؤسسات وإنجازاتها. غير أن هذا التصور لم يعد، في نظري، كافيًا لفهم التحولات التي يعرفها العالم اليوم، ففي زمن شبكات التواصل الاجتماعي، وسرعة تداول الأخبار، والاتصال المستمر، لم تعد الرسالة وحدها هي التي تحدد صورة المؤسسة أو سمعتها، بل أصبح الأثر العاطفي الذي تتركه هذه الرسالة عنصرًا أكثر حضورًا وتأثيرًا.



بقلم : فوزية طالوت المكناسي

نحن نعيش اليوم داخل ما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه، حيث تسبق العاطفة، في كثير من الأحيان، التفكير الهادئ والتحليل العقلاني. فالمواطنون، والمستهلكون، والمستخدمون، ومختلف الأطراف المعنية، لا يكتفون بتقييم النتائج والمؤشرات، بل يشعرون ويفسرون ويتفاعلون ويشاركون تجاربهم مع الآخرين. وهنا تتحول العواطف إلى عامل استراتيجي في بناء الثقة، وتقوية الالتزام، وصناعة التأثير.


من هذه الملاحظة وُلد مفهوم «التدبير العاطفي المغربي»، أو ما أقترح تسميته بـ"Moroccan Emotional Management"، وهو نموذج يسعى إلى إعادة التفكير في مكانة العاطفة داخل العلاقات العامة، انطلاقًا من التجربة المغربية ومن الخصوصيات التي تشكل طريقة المغرب في التواصل مع العالم.


واختيار كلمة «المغربي» في تسمية هذا النموذج ليس اعتباطيًا. فالمقصود ليس مجرد الإشارة إلى بلد، بل إلى أسلوب في بناء العلاقات والتفاعل مع الآخر. فقد أظهر المغرب، خلال السنوات الأخيرة، قدرة واضحة على تقديم صورة قائمة على قيم إنسانية مشتركة، من بينها الأصالة، والتضامن، والقدرة على الصمود، وحسن الاستقبال، والاحترام، والانفتاح.


ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك المسار الذي صنعه أسود الأطلس خلال نسخ كأس العالم. فالأمر لم يكن مرتبطًا بالنتائج الرياضية فقط، بل بموجة عاطفية جماعية لفتت انتباه العالم. فمشاهد اللاعبين وهم يحتفلون مع أمهاتهم، ولحظات الأخوة في المدرجات، والتعلق بالرموز الوطنية، واحترام المنافسين، كلها ساهمت في بناء حكاية إنسانية عميقة.


وقد تجاوزت هذه العاطفة حدود المغرب، ووصلت إلى ملايين الأشخاص في إفريقيا، والعالم العربي، ومناطق أخرى من العالم. وهذا ما يبين، من زاوية العلاقات العامة، أن السمعة لا تُبنى بالحملات التواصلية والأرقام وحدها، بل تُبنى أيضًا بما تولده المؤسسة أو الدولة من مشاعر إيجابية لدى الجمهور.


ويقوم نموذج «التدبير العاطفي المغربي» على ثلاثة أركان متكاملة. يتمثل الركن الأول في تحريك العاطفة، أي أن أية استراتيجية تواصلية ناجحة ينبغي أن تبدأ بالإنصات الحقيقي إلى مشاعر الفئات المعنية. ففهم انتظارات الناس، ومخاوفهم، وطموحاتهم، وآمالهم، يساعد على صياغة رسائل تلامسهم وتجد صدى حقيقيًا في واقعهم.


أما الركن الثاني، فيتعلق بإشراك الأطراف المعنية. فالعاطفة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى علاقة مستمرة. ولذلك، لم يعد مقبولًا أن تقتصر العلاقات العامة على محاولة إقناع الجمهور، بل صار من الضروري خلق حوار مفتوح، وتشجيع المشاركة، وتحويل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى طرف فاعل في صياغة القصة المشتركة.


ويتمثل الركن الثالث في الحفاظ على الثقة، لأن الثقة هي الرأسمال غير المادي الأهم لكل مؤسسة. فهي لا تُبنى في لحظة واحدة، بل تحتاج إلى زمن، وإلى انسجام بين الخطاب والممارسة والقيم المعلنة. وإذا كانت العاطفة قادرة على جذب الانتباه، فإن الثقة وحدها هي التي تضمن استمرار السمعة على المدى البعيد.


ويمكن تلخيص هذا النهج في سلسلة واضحة من القيم المترابطة: عاطفة تقود إلى الانخراط، والانخراط يبني الثقة، والثقة ترسخ السمعة، والسمعة تولد التأثير، ثم يتحول هذا التأثير إلى قوة ناعمة. فكل مرحلة تمهد لما بعدها، وتمنحها معنى واستمرارية.


هذا النموذج لا يخص الدول أو المؤسسات الكبرى فقط، بل يمكن تطبيقه داخل المقاولات، والجماعات الترابية، والجامعات، والجمعيات، وسائر الهيئات التي ترغب في بناء تواصل مسؤول ومستدام. ففي بيئة دولية تتسم بعدم اليقين، لم يعد تدبير العواطف مهارة ثانوية أو إضافية، بل أصبح ضرورة استراتيجية.


ويمتلك المغرب اليوم رصيدًا عاطفيًا معترفًا به دوليًا. وقد تشكل هذا الرصيد من خلال تجارب إنسانية قوية، ونجاحات جماعية، وقيم تحظى بتقدير واسع. وهو رأسمال يستحق الدراسة والفهم وحسن التثمين، لأنه قادر على دعم سمعة المغرب وتوسيع إشعاعه.


إن «التدبير العاطفي المغربي» هو دعوة إلى النظر إلى العلاقات العامة من زاوية مختلفة. فخلف كل خطة تواصلية ناجحة، توجد نساء ورجال يشعرون قبل أن يصدروا أحكامهم، وينخرطون قبل أن يعلنوا تأييدهم، ويمنحون ثقتهم قبل أن يتحولوا إلى سفراء للمؤسسة أو الفكرة.


وفي عالم تُبنى فيه السمعة في الوقت الحقيقي، قد لا تكمن القوة الفعلية للعلاقات العامة في القدرة على الإقناع فقط، بل في القدرة على صناعة مشاعر صادقة، تحمل معنى، وتولد الثقة، وتفتح المجال أمام علاقة أكثر استمرارية ومصداقية. وهنا، في تقديري، يبدأ رسم مستقبل مهنة العلاقات العامة





الجمعة 17 يوليو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic