كتاب الرأي

الإمارات، الولايات المتحدة، أوبك+، البريكس وروسيا : العالم لم يعد يغيّر معسكره، بل يغيّر أسلوبه


كنا نعتقد أننا نفهم العالم من خلال خريطة ذهنية قديمة : من جهة الغرب، ومن جهة أخرى الجنوب العالمي؛ من جهة واشنطن، ومن جهة موسكو وبكين؛ من جهة التحالفات التاريخية، ومن جهة أخرى القطائع المفاجئة. غير أن الحالة الإماراتية جاءت لتربك كل هذه التصنيفات. فالإمارات العربية المتحدة تنضم إلى مجموعة BRICS+، أي إلى فضاء يُفترض أنه يُجسد صعود العالم غير الغربي. ثم تعلن في المقابل انسحابها من منظمة أوبك وأوبك+، وهي البنية النفطية التي تلعب فيها السعودية وروسيا دوراً محورياً. للوهلة الأولى يبدو الأمر متناقضاً، لكنه في الواقع قد يكون أحد أوضح إشارات النظام الدولي الجديد: الدول لم تعد تغيّر معسكرها، بل تغيّر طريقة اشتغالها.



بقلم : عدنان بنشقرون

لقد أصبح المعطى المركزي واضحاً. أبوظبي أعلنت قرارها الانسحاب من أوبك وأوبك+، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 1 ماي 2026. الرواية الرسمية تشدد على مراجعة طويلة المدى لسياسة الإنتاج والقدرة المستقبلية والاستراتيجية الاقتصادية للبلاد. بمعنى آخر، الإمارات لا تقدم القرار كخطوة انفعالية، بل كخيار سيادي مدروس ومقصود.
 

هذا القرار يصيب قلب منظومة أوبك+. فهذه الأخيرة ليست مجرد نادي منتجين، بل آلية للانضباط : إنتاج أقل لدعم الأسعار، أو زيادة الإنتاج لتفادي اختناق المستهلكين، أي موازنة دقيقة بين العائدات الفورية واستقرار السوق. ومنذ سنة 2016، أدى انضمام روسيا إلى هذه الصيغة الموسعة إلى تحويل أوبك إلى أداة أقوى قادرة على التأثير في مواجهة الولايات المتحدة ومنتجي النفط الصخري والطلب الآسيوي الكبير، وتؤكد وكالة رويترز أن موسكو لا تزال ملتزمة بأوبك+ وتأمل ألا يؤدي الانسحاب الإماراتي إلى تفكيك المجموعة، لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يعكس حجم الصدمة.
 

لماذا تغادر أبوظبي؟ لأنها لم تعد ترغب في البقاء داخل منطق الحصص الذي يقيّد استراتيجيتها الصناعية. فقد استثمرت الإمارات بشكل ضخم لرفع قدرتها الإنتاجية. وتشير وكالة AP إلى أن قدرتها قد تصل إلى حوالي 5 ملايين برميل يومياً، بينما ظل الإنتاج الفعلي في حدود 3.4 ملايين برميل قبل آخر التطورات. المشكلة واضحة : ما فائدة الاستثمار في رفع القدرة إذا كان الاتفاق الجماعي يمنع استغلالها بالكامل؟


لكن اختزال المسألة في صراع أرقام سيكون سطحياً. فالنفط هنا لغة دبلوماسية. ومن خلال التحرر من أوبك+، تقول أبوظبي عدة رسائل في الوقت نفسه: 

إلى الرياض : لم نعد تابعين.

إلى موسكو : لن نضحي بقدرتنا الإنتاجية من أجل استقرار عائداتكم.

إلى واشنطن : يمكننا أن نكون مورداً مرناً، لكن أمن الخليج له ثمن.

إلى بكين ونيودلهي : نريد بيع المزيد لآسيا دون المرور بإذن جماعي دائم.


إنها استراتيجية قوة متوسطة بأدوات قوة طاقية كبرى.


ويتضح عندها التناقض الظاهري مع BRICS+. فقد انضمت الإمارات إلى هذه المجموعة ابتداءً من 2024، في إطار رؤية لتعزيز موقعها في حوكمة عالمية أكثر تعددية. وتصف وزارة المالية الإماراتية هذه الخطوة بأنها تعزيز لدور الدولة في حوكمة أكثر شمولاً وتعدداً للأقطاب. لكن BRICS+ ليست تحالفاً عسكرياً ولا نظام التزام اقتصادي. إنها فضاء تأثير ومنصة تنويع ومجال تفاوض.
 

ففيها الصين والهند، وهما خصمان استراتيجيان. وفيها إيران والإمارات رغم اختلاف مصالحهما الأمنية. وفيها روسيا التي تبحث عن طرق لتجاوز الغرب. ودول أخرى تريد أساساً توسيع هوامش تحركها. لذلك فإن الانضمام إلى BRICS+ لا يعني الاصطفاف خلف موسكو، بل يعني الحضور في غرفة يُعاد فيها تشكيل جزء من العالم القادم.
 

وهذا بالضبط ما تفعله أبوظبي : لا تريد الاختيار بين واشنطن وبكين وموسكو والرياض ونيودلهي. بل تريد أن تتحدث مع الجميع، وتبيع للجميع، وتستثمر في كل الاتجاهات، دون أن تعتمد كلياً على أحد. إنها سياسة “التموضع المتعدد الصارم”: ليس حياداً ضعيفاً، بل تعظيم ممنهج للمصالح الوطنية حسب كل ملف.
 

روسيا تجد نفسها في وضع غير مريح. فهي من جهة ما تزال مرتبطة رسمياً بأوبك+ لأنها تمنحها قدرة على التأثير في الأسعار العالمية وتتيح لها الحفاظ على قنوات مع الخليج رغم عزلتها الغربية. لكن في المقابل، فإن خروج الإمارات يهدد هذا الانضباط. وقد أقر وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف بأن هذا القرار قد يزيد العرض العالمي ويضغط على الأسعار مستقبلاً، خصوصاً إذا تبعت دول أخرى نفس النهج.
 

بالنسبة لموسكو، هذا إشارة سلبية. فروسيا تحتاج إلى أسعار مرتفعة لتمويل ميزانيتها وتثبيت جهاز الدولة وتخفيف أثر العقوبات. وكلما دعمت التوترات في الشرق الأوسط الأسعار، استفادت موسكو. لكن إذا توسع الإنتاج الإماراتي وارتفع المعروض دون تنسيق، فقد يتغير التوازن، ما يضعف أحد أهم أوراق روسيا.
 

أما الرياض، فهي المعنية بشكل مباشر. فقد كانت السعودية لفترة طويلة محور النظام النفطي العالمي : أكبر قدرة احتياطية، منتج التوازن، وقائد غير معلن لأوبك. لكن الإمارات اليوم تنافس هذا الدور بشكل غير مباشر. والمنافسة بين العاصمتين لم تعد تقتصر على النفط، بل تشمل الموانئ والمالية واللوجستيك والسياحة والتكنولوجيا والاستثمارات والنفوذ الإقليمي. مشروع رؤية 2030 السعودي يصطدم بنموذج إماراتي أكثر اندماجاً عالمياً.
 

ويزيد الموقع الجغرافي من حساسية الوضع. فمضيق هرمز يظل أحد أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد العالمي. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن حوالي 15 مليون برميل يومياً، أي 34% من تجارة النفط العالمية، تمر عبره، مع اعتماد كبير على الأسواق الآسيوية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة الإماراتية على الإنتاج خارج القيود ليست مجرد قرار اقتصادي، بل ورقة أمنية ودبلوماسية وتجارية.
 

ما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً؟ هناك ثلاثة سيناريوهات :


الأول : خروج مضبوط، حيث تزيد الإمارات إنتاجها تدريجياً دون انهيار النظام، وتستمر أوبك+ بشكل أضعف لكن قائم.


الثاني : عدوى الانسحاب، حيث تطالب دول أخرى بمزيد من الحرية، ما يؤدي إلى تراجع مصداقية الكارتل.


الثالث : تنافس مفتوح، حيث يصبح السوق أكثر تقلباً بين وفرة مفاجئة وارتفاعات حادة بفعل الجغرافيا السياسية.


من يستفيد؟ الإمارات أولاً، لأنها تعزز استقلاليتها. وبعض الدول المستهلكة الكبرى في آسيا إذا انخفضت الأسعار. وقد تستفيد واشنطن أيضاً إذا ضعفت قدرة أوبك+ على التحكم بالسوق، ومن يتضرر؟ السعودية وروسيا والمنتجون الضعفاء وكل من يفضل سوقاً مستقرة وقابلة للتنبؤ.


الخلاصة أعمق من مجرد خروج دولة من منظمة. الإمارات لا تغادر أوبك+ فقط، بل تثبت أن العالم لم يعد يُدار بالولاءات الطويلة، بل بالاختيارات المتحركة. يمكن لدولة أن تكون في BRICS+، وشريكاً لواشنطن، ومنافساً للرياض، ومحاوراً لموسكو، ومورداً لآسيا في الوقت نفسه. هذا ليس تناقضاً، بل هو منطق جديد.
 

العالم لا يتحرك فقط شرقاً أو غرباً، بل في مسارات متوازية، متداخلة أحياناً، ومتناقضة أحياناً أخرى، لكنها دائماً وطنية. في هذا النظام الجديد، لا تختفي التحالفات، لكنها تصبح مؤقتة. ولا تموت الكارتلات، لكنها تفقد سلطتها الصارمة. والنفط، بدل أن يكون مجرد مادة من الماضي، يعود ليكون ما كانه دائماً في لحظات التحول: ليس فقط سلعة، بل لغة قوة





الاربعاء 29 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic