بقلم : عدنان بنشقرون
كما أن الزيادات المقررة في قيمة هذه المساعدات كانت مدرجة مسبقاً ضمن جدول زمني معلن، إذ ينتظر أن ترتفع ابتداء من سنة 2026 إلى 300 درهم عن كل طفل متمدرس يتراوح عمره بين 6 و20 سنة بالنسبة للأبناء الثلاثة الأوائل، مقابل 250 درهما خلال سنة 2025. أما الأرامل، فقد تصل المساعدة المخصصة لأطفالهن المتمدرسين إلى 400 درهم للطفل الواحد. وبالتالي، فإن الأمر يتعلق بتدابير مبرمجة سلفاً أكثر من كونه قرارات ظرفية مفاجئة.
غير أن السياسة لا تُقاس فقط بالنوايا، بل أيضاً بالتوقيت الذي يشعر فيه المواطن فعلياً بآثار هذه القرارات. وهنا يكمن جوهر النقاش، لأن سنة 2026 هي السنة التي بدأت فيها هذه الإجراءات تظهر بشكل ملموس، في وقت لا يفصل فيه عن انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية سوى أسابيع قليلة. لذلك، يصبح من الطبيعي أن تُقرأ هذه التدابير باعتبارها محاولة لإبراز حصيلة الحكومة وتقريبها من الحياة اليومية للأسر المغربية.
ويبرز ملف الدخول المدرسي كواحد من أكثر الملفات حساسية في هذا السياق. فكل سنة تتحول العودة إلى المدارس إلى عبء ثقيل على الأسر بسبب لوائح اللوازم الطويلة وارتفاع المصاريف وتغير بعض المتطلبات بشكل متكرر. وعندما تتحدث الدولة عن تنظيم هذه اللوائح أو توفير بعض الأدوات والكتب مجاناً داخل المؤسسات الرائدة، فإنها تستجيب لمطلب اجتماعي حقيقي يلامس تفاصيل الحياة اليومية للآباء والأمهات.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بالأرقام الضخمة المدرجة في قوانين المالية، بل أيضاً بهذه التفاصيل الصغيرة: دفتر لن يضطر الأب لشرائه، كتاب متوفر في الوقت المناسب، أو دخول مدرسي أقل تكلفة وإرهاقاً. غير أن اقتراب موعد الانتخابات يجعل حتى الإجراءات الصادقة تُقرأ أحياناً باعتبارها رسائل سياسية موجهة للناخبين، وهو أمر تدركه الحكومة جيداً.
ومن هنا تظهر قراءتان مختلفتان للمشهد. الأولى تعتبر أن الحكومة تواصل تنزيل الإصلاحات التي التزمت بها حتى آخر يوم من ولايتها، وأنه ليس من المنطقي أن تتوقف عن اتخاذ القرارات الاجتماعية فقط لأن موعد الانتخابات اقترب. بل إن توقفها عن العمل بدعوى الحياد الانتخابي قد يبدو بدوره أمراً غير مفهوم.
أما القراءة الثانية، فترى أن الحكومة تحاول جعل حصيلتها أكثر وضوحاً وملموسية قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع، من خلال التركيز على ملفات تمس مباشرة القدرة الشرائية والحياة اليومية، مثل الدعم الاجتماعي، وتحسين الأجور، وتقليص تكاليف الدخول المدرسي، وغيرها من التدابير ذات الوقع الشعبي.
وهنا تصبح الحدود بين الإصلاح والتواصل السياسي شديدة الحساسية. فالدعم الاجتماعي يفترض أن يهدف إلى تقليص الهشاشة، لا إلى صناعة الامتنان الانتخابي. والزيادة في الأجور ينبغي أن تكون استجابة لمتطلبات العيش الكريم، لا رسالة انتخابية غير مباشرة. كما أن إصلاح المدرسة يجب أن يخدم تكافؤ الفرص، لا أن يتحول إلى واجهة دعائية موسمية.
ويبقى الاختبار الحقيقي في مدى استمرارية هذه الإجراءات بعد الانتخابات. هل ستستفيد جميع المؤسسات التعليمية من الإصلاحات نفسها؟ وهل ستستمر برامج الدعم بنفس الوتيرة بعد انتهاء الحملة الانتخابية؟ وهل ستتحول هذه السياسات إلى حقوق اجتماعية مستقرة، أم ستظل مرتبطة بالمواعيد السياسية الكبرى؟
وفي خضم هذا النقاش، برز قرار العودة النهائية إلى توقيت GMT ابتداء من 20 شتنبر 2026، أي قبل ثلاثة أيام فقط من الانتخابات التشريعية، ليضيف بعداً سياسياً جديداً إلى المشهد. فالقرار لا يمس فئة معينة فقط، بل يؤثر على الحياة اليومية لجميع المغاربة، من مواقيت العمل والدراسة إلى إيقاع الحياة الأسرية، بعد سنوات من الجدل حول اعتماد GMT+1 بشكل دائم.
وتستطيع الحكومة الدفاع عن هذا القرار باعتباره استجابة لمطلب شعبي قديم، خصوصاً لدى الأسر والتلاميذ والموظفين الذين اشتكوا طويلاً من تداعيات الساعة الإضافية. غير أن توقيت الإعلان عنه يجعل من الصعب فصله تماماً عن السياق الانتخابي، خاصة أنه يأتي بعد سلسلة من القرارات الاجتماعية ذات الطابع الشعبي.
فبعد الدعم الاجتماعي وتحسين بعض المداخيل والتخفيف من تكاليف الدخول المدرسي، جاء قرار العودة إلى GMT ليحمل بدوره رسالة رمزية قوية، عنوانها أن الحكومة “تستمع أخيراً” لما يعيشه المواطن يومياً. إنه ليس دعماً مالياً مباشراً، بل ما يشبه “شيكاً زمنياً” يعد الأسر بإيقاع حياة أكثر راحة وانسجاماً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ليس ما إذا كانت هذه القرارات ذات خلفية انتخابية، بل لماذا تأخر اتخاذ بعضها إلى الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية. فالحكومة من حقها أن تواصل الإصلاح إلى آخر يوم، لكن من حق المواطنين أيضاً أن ينظروا إلى التوقيت بعين النقد والتساؤل.
في النهاية، لن يحكم الناخبون فقط على حجم الوعود أو قيمة المساعدات، بل على مدى انسجام الخطاب السياسي مع الواقع، وعلى قدرة الدولة على بناء نموذج اجتماعي يجعل الأسر لا تنتظر كل موعد انتخابي حتى تشعر ببعض الانفراج
الرئيسية















