بقلم : عدنان بنشقرون
في قراءتي المتواضعة، فإن النص المنشور هذه المرة يستحق هذا الجهد من الانتباه. لأنه خلف الطابع التقني للآليات، واللجان، وآليات التنفيذ، والتعديلات القانونية، يحدث شيء أكثر بنيوية. ما يتم إصلاحه هنا ليس فقط الحكامة المحلية بمعناها الإداري. ما يُعاد تشكيله بشكل أعمق هو نمط اشتغال الجهوية المتقدمة : منهجها، سلسلة قيادتها، أدوات تنفيذها، مواردها، وفي العمق قدرتها الحقيقية على إنتاج نتائج مرئية على الأرض. بمعنى آخر، لم يعد الأمر يتعلق فقط بإعلان مبدأ؛ بل يتعلق الآن بتنظيم فعاليته
تتواجد في النصوص الرسمية، كلمات تطمئن فوراً : التشاور، القرب، حاجيات المواطنين المعبر عنها، الشفافية، التقييم، التنمية المندمجة.
حين تُقرأ هذه الكلمات كلٌّ على حدة، تبدو وكأنها تحمل وعوداً بتحديث مرتقب للعمل العمومي. لكن عند جمعها معاً، يكشف بلاغ مجلس الوزراء المتعلق ببرامج التنمية الترابية المندمجة عن سقف طموح أوسع، يتمثل في إعادة هيكلة الحكامة المحلية بهدف تقليص الفوارق المجالية التي ظلت لسنوات تغذي صورة المغرب ذي السرعتين.
نعم، يجب الاعتراف بوجود ضرورة للإصلاح. فمنذ سنوات، تُطرح الجهوية المتقدمة كأحد الأوراش الكبرى للدولة. فكرة جذابة في أصلها : تقريب القرار من الميدان، إعادة توزيع الاستثمار، تقليص الفوارق المجالية، وكسر منطق التمركز التنموي حول بعض الأقطاب. لكن على أرض الواقع، تعثرت الآلية في أكثر من محطة. تراكمت الاختصاصات دون وضوح كاف، ورفعت بعض المجالس المنتخبة سقف الطموح أكثر من إمكانياتها، وظلت الإدارة المركزية حاضرة بثقلها، بينما بقي التنفيذ هو الحلقة الأضعف. النصوص الجديدة تحاول معالجة هذا الاختلال عبر طرح سؤال جوهري : من يقرر، من ينفذ، من ينسق، من يمول، ومن يحاسب؟
في هذا السياق، تكمن قوة الإصلاح الأولى في بعدها المنهجي. فالقوانين المعتمدة تؤكد على نقطة أساسية: يجب أن تنطلق البرامج من الحاجيات المعبر عنها محليا، اعتمادا على تشخيصات ترابية تُنجز في كل عمالة وإقليم، وترتكز على مؤشرات سوسيو-اقتصادية، وعلى تحديد الخصاص في التشغيل والتعليم والصحة والماء وتأهيل المجالات الترابية. وهذا تحول مهم. إذ طالما كان التفكير في التنمية المحلية يتم من الأعلى نحو الأسفل، عبر مخططات وطنية تُطبق لاحقا على الجهات. أما هنا، فيتم عكس المنطق : الانطلاق من الميدان، الإصغاء، ثم ترتيب الأولويات انطلاقا من الواقع. إنها ثورة إدارية هادئة.
وتعترف النصوص أيضا بأن التنمية الترابية ليست مجرد تحويلات مالية متناثرة أو مشاريع شكلية. بل يتم تقديمها كأوراش كبرى، بميزانية تُقدر بحوالي 210 مليار درهم على مدى ثماني سنوات. هذا رقم ضخم، يشير إلى أن الأمر لا يتعلق ببرنامج هامشي، بل بإعادة توجيه استراتيجية. في العمق، يعترف الدولة بأن الفوارق المجالية لا تُعالج بإجراءات رمزية، بل باستثمار ضخم ومستدام ومنظم. الهدف هو تحسين ظروف العيش، تعزيز الكرامة، تحفيز النمو المحلي، وتقوية جاذبية المجالات الترابية وخلق فرص الشغل.
وتسعى هذه الإصلاحات إلى معالجة أحد أعقد أعطاب العمل العمومي المحلي، وهو تشتت المسؤوليات. عبر إرساء حكامة بثلاثة مستويات : محلي، جهوي، ووطني، يتم العمل على جعل سلسلة القيادة أكثر وضوحا. على المستوى المحلي، ستشرف لجنة برئاسة العامل تضم المنتخبين والمصالح اللاممركزة على إعداد البرامج وتتبع المشاريع. على المستوى الجهوي، يتولى الوالي مهمة التنسيق والتجانس. وعلى المستوى الوطني، تتولى لجنة برئاسة رئيس الحكومة المصادقة والتنسيق والتقييم وضمان الطابع المندمج للبرامج. بالنسبة لمؤيدي الإصلاح، فهذا بالضبط ما كان مطلوبا : تقليص الغموض، تقليل التداخل، وزيادة الانسجام.
هذه الإصلاحات لا تكتفي بالوعود، بل تقترح أدوات عملية. من بينها افتحاص سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، ومنصة رقمية لتتبع البرامج ووتيرة الإنجاز، إضافة إلى تعزيز الموارد المالية للجهات. وفي بلد لا تزال فيه مسألة ربط المسؤولية بالمحاسبة مطلبا مجتمعيا، فإن هذه الآليات ليست تفصيلا ثانويا، بل استجابة مباشرة لسؤال بسيط لدى المواطن : ما الذي وُعدنا به، ماذا تم تمويله، ماذا تم إنجازه، وأين حدث التعثر
القراءة الأولى الممكنة لهذا الإصلاح تتمثل في البحث عن توازن بين القرب الترابي والانسجام الوطني. إذ يُقدَّم تصور للحكامة ينطلق من المستوى المحلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بنية مؤسساتية صلبة تتمحور حول ممثلي الدولة على المستوى الترابي : العامل على المستوى الإقليمي، الوالي على المستوى الجهوي، ورئيس الحكومة على المستوى الوطني.
ويحتفظ المنتخبون بمكانتهم كاملة داخل هذا التصور، بل إن رؤساء الجهات يرون دورهم معزَّزاً داخل هياكل التنفيذ المستقبلية. ويمكن فهم هذا التنظيم باعتباره خياراً لتدبير مترابط، يزاوج بين التمركز المحلي والتنسيق الوطني القادر على ضمان الانسجام واستمرارية السياسات وتعبئة الموارد اللازمة. وهو مقاربة براغماتية لدفع مسار الجهوية دون المساس بوحدة المنظومة العامة.
أما النقطة الثانية فتستحق بدورها قراءة بناءة. فتعويض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع بشركات مساهمة يعكس إرادة واضحة لتحديث أدوات الفعل العمومي الترابي. الهدف المعلن هو تقريب صرامة المراقبة العمومية من مرونة التدبير، بما يسمح بتسريع إنجاز المشاريع وتحسين جودة تنفيذها. ويمكن اعتبار هذا التحول محاولة لتكييف الأداة المؤسساتية مع متطلبات تنمية ترابية أكثر سرعة ووضوحاً وفعالية، حيث تسعى الإصلاحات إلى إدخال مزيد من المرونة وثقافة الأداء، دون أن يكون الهدف هو خصخصة العمل العمومي بقدر ما هو جعله أكثر نجاعة في خدمة المواطنين والمجالات الترابية.
أما العنصر الثالث فيبرز حجم الورش الذي يسعى الإصلاح إلى معالجته بشكل مباشر. إذ يعترف ضمنياً بأن الفوارق الترابية لا ترتبط فقط بإشكالات الحكامة، بل أيضاً باختلالات أعمق تتعلق بولوج البنيات التحتية والفرص والكفاءات وقدرات الهندسة. ومن هذا المنظور، يكتسب الإصلاح قيمة إضافية لكونه يضع أسس تدخل أكثر استهدافاً ووعياً بتفاوتات الواقع الوطني، مع فتح المجال أمام مقاربة أكثر دقة لحاجيات كل مجال ترابي على حدة، والرهان على تمكين المناطق الأقل حظاً من وسائل أكبر لتأهيل مشاريعها والولوج إلى التمويل. وبذلك يمكن أن يتحول، إذا تم تنزيله بشكل سليم، إلى رافعة لإعادة التوازن الترابي وتقليص الفوارق القائمة.
أما البعد الرابع من هذا الإصلاح، المتعلق بالتشاور مع المواطنين، فيمكن اعتباره بدوره خطوة مهمة نحو إعادة صياغة العلاقة بين القرار العمومي والمجتمع. فالتأكيد على الإصغاء للحاجيات المحلية وتقريب الفعل العمومي من المواطنين يعكس إرادة لجعل السياسات الترابية أكثر التصاقاً بالواقع المعيش. صحيح أن التحدي الحقيقي سيبقى في كيفية تحويل هذا التشاور إلى قرارات فعلية داخل مسار اتخاذ القرار، لكن المبدأ في حد ذاته يكتسي أهمية دلالية، لأنه يكرس فكرة أن التنمية الترابية لم تعد قابلة للاختزال في مقاربات مركزية محضة، بل تستدعي حواراً دائماً مع الواقع كما هو، بما يفتح المجال أمام حكامة أكثر تشاركية وارتباطاً بالمعيش اليومي للمجالات الترابية
أخيراً، يمكن تفسير الطموح الاقتصادي الممنوح للجهات باعتباره علامة على الثقة. فمن خلال التأكيد على أن الجهة يجب أن تصبح رافعة مركزية للتنمية، يعترف هذا الإصلاح للأقاليم بدور استراتيجي في مجالات النمو والتشغيل وجاذبية الاستثمار. هذا التصور يمكن أن يسمح بتعزيز استقلالية المبادرة لدى الجهات وبالرفع من قيمة مؤهلاتها الخاصة. ويبقى الرهان الحقيقي هو ضمان أن تستفيد هذه الدينامية من مجموع التراب الوطني، بما في ذلك المناطق الأكثر هشاشة. لكن روح الإصلاح تبدو متجهة في هذا الاتجاه : تعبئة الأداء ليس ضد الإنصاف، بل على العكس من أجل منح مزيد من القوة لسياسات إعادة التوازن الترابي.
في العمق، يقول هذا الإصلاح شيئاً بنيوياً عن تطور النموذج المغربي. فهو يبين أن مرحلة جديدة تنفتح، تتسم بثقافة أكثر رسوخاً للنتائج، وللمتابعة، ولقياس الأثر الملموس، لم تعد الدولة تكتفي بإعلان المبادئ؛ بل أصبحت تسعى إلى ترجمتها إلى مشاريع مرئية، وجداول زمنية مضبوطة، وتمويلات مفعلة، وآليات للتقييم، وأدوات للشفافية.
ويمكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالاً من جهوية النية إلى جهوية الفعل. فلم يعد السؤال يقتصر على توزيع الاختصاصات، بل أصبح يتعلق بضمان أن السياسات الترابية تُحدث فعلاً آثاراً ملموسة على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين.
ولهذا السبب تحديداً، تستحق هذه الإصلاحات أن تُقرأ بجدية بدل التفاؤل التلقائي أو التشكيك المسبق. فهي تحاول إعادة ترتيب بنية أصبحت بطيئة، ضبابية، وغير متوازنة.
إن الاختبار الحقيقي لن يكون في البلاغات، ولا في الهياكل التنظيمية، ولا حتى في المليارات المعلنة. بل سيكون في سؤال بسيط لكنه حاسم: هل ستغيّر هذه الإصلاحات أولاً حياة المجالات التي لا تزال تنتظر تدخل الدولة، أم أنها ستُحسّن فقط أداء المجالات التي تعرف أصلاً كيف تشتغل معها؟
إذا مالت الكفة نحو الخيار الأول، عندها فقط يمكن لهذا الإصلاح أن يدخل التاريخ، ليس كمجرد إعادة كتابة تكنوقراطية أخرى، بل كلحظة تتوقف فيها الحكامة المحلية عن كونها شعاراً لتصبح فعلاً عدالة ترابية حقيقية
الرئيسية















