بقلم : عائشة بوسكين
هذا التحول في علاقة الشباب بالزواج لا يمكن فصله عن البنية العميقة التي أعادت تشكيل الأسرة المغربية خلال العقود الأخيرة، حيث ارتفعت نسبة الأسر النووية إلى 73% سنة 2025 مقابل 60.8% سنة 1995، في مقابل تراجع الأسر الممتدة إلى 19.8% بعد أن كانت 35.2%.
هذا الانتقال لا يعني فقط تغير شكل السكن أو نمط العيش، بل يشير إلى تفكك تدريجي لشبكات التكافل العائلي التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعياً واقتصادياً، خصوصاً في لحظات تأسيس الأسرة. ومع تقلص هذا السند، أصبحت الأسرة الجديدة تواجه تكاليف الحياة بشكل فردي أكثر، ما يضاعف من صعوبة اتخاذ قرار الزواج ويؤجل الاستقرار الأسري.
ويمتد هذا المسار ليكشف تحولات ديمغرافية مقلقة، إذ استقر معدل الخصوبة عند 1.98 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تجديد الأجيال المحددة في 2.1، ما يعني دخول المجتمع في مسار شيخوخة تدريجي. ويؤكد هذا الاتجاه أن 48.3% من النساء يربطن قرار عدم إنجاب طفل إضافي بالإكراهات الاقتصادية، بينما ارتفعت نسبة الأزواج بدون أطفال من 3.4% إلى 9.4%.
في المقابل، ترتفع نسبة المسنين إلى 13.8%، مع بروز هشاشة مالية واضحة داخل هذه الفئة، حيث لا يتوفر 31% منهم على أي مصدر دخل، وترتفع النسبة إلى 51.6% لدى النساء، ما يعكس ضغطاً متزايداً على البنية الأسرية وقدرتها على الاستيعاب.
كما تكشف التحولات الاجتماعية عن إعادة تشكيل عميقة في طبيعة الروابط الأسرية، حيث تراجع الزواج بين الأقارب من 29.3% سنة 1995 إلى 20.9% سنة 2025، مقابل اتساع الزواج خارج الدوائر الجغرافية التقليدية إلى 37.2% لدى النساء
في الوقت نفسه، انخفض التعايش متعدد الأجيال من 29% إلى 16.8%، ما يعكس انتقالاً من التضامن المباشر إلى علاقات أسرية أكثر تفككاً وانتقائية، حيث لم تعد الأسرة الممتدة إطاراً يومياً للعيش المشترك، بل تحولت إلى شبكة دعم محدودة وغير منتظمة. هذا التحول يعمّق عزلة الأسر النووية ويجعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات الاجتماعية والاقتصادية.
وتظهر هشاشة هذا البناء الجديد بوضوح في استقرار الطلاق كظاهرة متنامية، حيث يبلغ خطره خلال أول عامين من الزواج 26.8 في الألف، أي ما يعادل خمسة أضعاف المعدل الوطني، مع تسجيل النساء نسبة 58% من طلبات الطلاق، وتصدر الخلافات المنزلية بنسبة 30.9%.
هذه الأرقام لا تعكس فقط تفككاً في العلاقات الزوجية، بل تكشف أيضاً عن غياب التوازن داخل الأسرة الجديدة، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع تحولات عميقة في الأدوار بين الجنسين وتوقعات الحياة الزوجية، في سياق لا يوفر دائماً أدوات الدعم أو التأطير الكافي
هذا التحول يضع المجتمع المغربي أمام أسئلة ثقيلة تتعلق بقدرته على إعادة إنتاج ذاته اجتماعياً وديمغرافياً، وعلى الحفاظ على الحد الأدنى من التضامن بين أفراده في ظل تزايد الفردانية واتساع الهشاشة. ومع انتقال العبء من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، ومن الدعم الجماعي إلى المسؤولية الفردية، تتقلص مساحات الأمان الاجتماعي، ويصبح الاستقرار الأسري نفسه أكثر هشاشة وأقل ضماناً.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الحاسم للدولة باعتبارها الفاعل المركزي في إعادة التوازن، من خلال إطلاق سياسات عمومية استباقية قادرة على حماية البنية الاجتماعية من الانزلاق نحو مزيد من التفكك، عبر دعم الأسرة، وتخفيف كلفة الزواج، وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الهشة، بما يضمن الحد من تعمّق الفوارق الاجتماعية.
فبدون تدخل مؤسساتي فعّال، قد يجد المجتمع نفسه أمام مسار شيخوخة مبكرة وتراجع في دينامية الشباب، مما يرسّخ صورة “مجتمع عجوز” يفقد تدريجياً قدرته على التجدد والتوازن.
الرئيسية















