بقلم : عائشة بوسكين
هذا ليس انطباعا شخصيا أو موقفا فرديا، بل هي معطيات حديثة تؤكدها دراسة أجرتها شركة Software Finder على موظفين من جيل Z في الولايات المتحدة، والتي كشفت عن تحول عميق في فلسفة العمل لدى هذا الجيل. فقد أظهرت الدراسة أن 80% من موظفي جيل Z اعترفوا بأنهم يتظاهرون بالانشغال بعد إنهاء مهامهم، ليس لأن لديهم عملاً إضافياً، بل لأنهم يدركون أن كثيراً من الإدارات لا تزال تربط بين الجلوس الطويل أمام الحاسوب وبين الالتزام المهني. والأكثر إثارة أن 64% من الموظفين قالوا إنهم يتعمدون إبطاء وتيرة إنجاز أعمالهم، لأن إنهاء المهام بسرعة غالباً ما يعني تكليفهم بمهام إضافية، لا مكافأتهم على كفاءتهم
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ بينت الدراسة أن أكثر من نصف المشاركين ينهون مهامهم اليومية قبل نهاية الدوام بوقت كافٍ، لكنهم يرفضون البقاء فقط لأن الساعة الرسمية لم تنته بعد. وبالنسبة لهم، إذا أُنجز العمل فقد انتهى الالتزام، ولا مبرر لتحويل المكتب إلى فضاء لتمضية الوقت.
والأكثر دلالة أن نحو ثلثي المشاركين أكدوا أنهم يحرصون على إنجاز مهامهم بسرعة وكفاءة حتى لا يضطروا إلى البقاء في العمل لساعات إضافية. بالنسبة لهذا الجيل، ليست السرعة دليلاً على التهاون، بل على حسن تنظيم الوقت. فالغاية ليست أن تبدو منشغلاً، بل أن تكون منتجاً.
كما أظهرت الدراسة أن قرابة 60% من العاملين من جيل Z يفضلون المرونة في تنظيم وقت العمل على كثير من الامتيازات الأخرى، بل إن بعضهم مستعد للتخلي عن مزايا مادية مقابل حرية أكبر في إدارة يومه المهني. إنها رسالة واضحة مفادها أن جودة الحياة أصبحت جزءاً من مفهوم النجاح المهني.
هذه الأرقام تكشف أن جيل Z لا يرفض العمل، كما يحاول البعض تصويره، بل يرفض ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الحضور الشكلي". فهو لا يرى أي منطق في أن يبقى الموظف جالساً أمام شاشة الحاسوب بعدما أنهى جميع مهامه، فقط لأن المدير لا يزال في مكتبه، أو لأن المغادرة قبل نهاية الدوام قد تُفسَّر على أنها تقصير.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى. فالعالم يعيش اليوم ثورة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والعمل الرقمي. أدوات كانت تحتاج ساعات لإنجاز مهمة واحدة أصبحت تنجزها في دقائق، والعديد من العمليات الإدارية باتت مؤتمتة، والمؤسسات العالمية تتحدث عن أسبوع عمل من أربعة أيام وعن العمل المرن وعن الإدارة بالنتائج. لكن في المقابل، لا تزال بعض المؤسسات، خصوصاً في مجتمعاتنا، تدير موظفيها بعقلية تعود إلى عقود مضت، حيث يُنظر إلى طول البقاء في المكتب باعتباره دليلاً على الالتزام، حتى لو كان الموظف قد أنهى كل ما طُلب منه منذ ساعات.
لقد أكل الدهر على ثقافة "البقاء حتى آخر دقيقة" وشرب. فهي فلسفة وُلدت في زمن كانت فيه الإنتاجية تُقاس بعدد ساعات الوقوف أمام الآلة، لا بحجم القيمة التي يحققها العامل. أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يكتب التقارير، ويحلل البيانات، وينجز أعمالاً كانت تستغرق يوماً كاملاً في دقائق معدودة، ومع ذلك لا يزال بعض المسؤولين يقيسون أداء الموظف بعقارب الساعة لا بنتائج عمله.
إن التقدم التكنولوجي يسير بسرعة هائلة، لكن بعض العقليات الإدارية ما زالت أسيرة مدرسة قديمة تعتبر أن الموظف الذي يغادر في الوقت المحدد أقل التزاماً من زميله الذي يبقى حتى المساء، حتى وإن كان هذا الأخير أقل إنتاجية. إنها مفارقة تدعو إلى التساؤل: كيف نثق في الذكاء الاصطناعي لإدارة أعمال معقدة، بينما لا نثق في موظف أنهى مهامه ونريد منه أن يبقى فقط لأن الدوام لم ينته؟
في المقابل، تؤكد معظم الدراسات الحديثة في إدارة الموارد البشرية أن الإنتاجية لا ترتفع مع زيادة ساعات العمل، بل غالباً ما تنخفض بسبب الإرهاق الذهني وتراجع التركيز. لذلك، تتجه كبرى الشركات العالمية نحو تقييم الموظفين وفق النتائج والمؤشرات، لا وفق عدد الساعات التي يمضونها داخل المكاتب.
إن الموظف الذي يُنجز عمله في أربع ساعات بكفاءة عالية لا ينبغي أن يُعامل كما لو أنه ارتكب خطأ لأنه لم يحتج إلى ثماني ساعات. بل إن معاقبته بإجباره على البقاء ترسل رسالة معاكسة تماماً: لا تكن سريعاً، لا تكن فعالاً، لأن كفاءتك لن تكافأ، بل ستُكافأ الساعات التي تقضيها على الكرسي.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه أرباب العمل اليوم ليس : "لماذا غادر الموظف قبل نهاية الدوام؟"، بل : "هل أنجز كل ما كان مطلوباً منه؟ وهل حقق النتائج التي انتظرناها؟" فإذا كانت الإجابة نعم، فإن المشكلة ليست في الموظف، بل في ثقافة إدارية ما زالت تعتبر الحضور هدفاً في حد ذاته.
في النهاية، يبدو أن جيل Z لا يثور على العمل، بل على طريقة قديمة في فهمه. إنه يطالب بأن تُقاس قيمة الإنسان بما ينجزه، لا بالوقت الذي يقضيه منتظراً انتهاء الدوام. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي أن نجعل الموظف يعمل ساعات أطول، بل أن نمكنه من إنتاج قيمة أكبر في وقت أقل. فالمستقبل لن يكون من نصيب المؤسسات التي تراقب ساعات الحضور، بل تلك التي تفهم أن الإنجاز هو المعيار الحقيقي، وأن الكفاءة يجب أن تُكافأ، لا أن تُعاقَب.
الرئيسية















