كتاب الرأي

آن الأوان أن نناقش الأفكار لا أن نحاكم أصحابها


حزب الاستقلال نموذج



في السياسة، لا تكمن قيمة التجارب في الادعاء بالكمال، بل في القدرة على تقييم المنجز، والاعتراف بما لم يتحقق، ثم تقديم بدائل أكثر نجاعة للمستقبل. ومن هذا المنطلق، اختار حزب الاستقلال أن يجعل من حصيلته الحكومية منطلقًا لبناء رؤية جديدة، لا مناسبة للاكتفاء بالدفاع عن الماضي.

لقد تحمل الحزب مسؤوليات حكومية وازنة، وأسهم في تنزيل جزء مهم من برنامجه الانتخابي، خاصة في القطاعات التي أشرف عليها. وسيقدم للرأي العام حصيلة وزرائه بكل وضوح، احترامًا لمبدأ دستوري وأخلاقي هو ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن الحزب يدرك أيضًا أن المواطن لا يريد فقط أن يعرف ما أُنجز، بل يريد أن يسمع كيف ستُعالج الملفات التي ما تزال تؤرق حياته اليومية.

ولهذا جاء اختيار الحزب مختلفًا. فلم يتجه إلى صياغة برنامج انتخابي طويل يزخر بالوعود، بل اختار التركيز على خمس التزامات كبرى، يرى أنها تمثل مفاتيح المرحلة المقبلة، وأنها قادرة على إحداث أثر مباشر في حياة المغاربة.

الالتزام الأول يتمثل في حماية الأسرة المغربية وصون منظومة القيم باعتبارها أساس تماسك المجتمع.  

والثاني هو حماية القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، عبر سياسات أكثر فعالية في مواجهة الغلاء، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، والحد من كل ما يثقل كاهل الأسر المغربية.

أما الالتزام الثالث، فيرفع شعار "صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح"، مع إعادة طرح مشروع قانون تضارب المصالح الذي كان حزب الاستقلال سباقًا إلى اقتراحه خلال وجوده في المعارضة، لكنه لم يرَ طريقه إلى التنفيذ. فالحديث عن تخليق الحياة العامة لا يكتمل دون قواعد قانونية واضحة تمنع تداخل السلطة بالمصلحة الخاصة.
ويتمثل الالتزام الرابع في إعادة الاعتبار للمرفق العمومي، وفي مقدمة ذلك المدرسة العمومية والمستشفى العمومي، مع اقتراح إحداث وكالة وطنية للمستعجلات بما يضمن سرعة التدخل وجودة الخدمات الصحية.  

أما الالتزام الخامس فيتعلق بتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة، من خلال توفير مخزون استراتيجي من المواد الأولية والأساسية، حتى يكون المغرب أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتقلبات الدولية.

هذه الالتزامات ليست إعلانًا بأن كل شيء كان ناقصًا، كما أنها ليست ادعاءً بأن كل شيء كان ناجحًا. إنها تعبير عن قناعة سياسية مفادها أن التجربة الحكومية، مهما كانت إيجابياتها، تظل مجالًا للتعلم والتطوير. نعم، تحققت منجزات مهمة، لكن هناك أيضًا أوراش لم تبلغ النتائج المأمولة، وفي مقدمتها محاربة الغلاء والحد من البطالة. والاعتراف بذلك ليس ضعفًا، بل هو أساس الممارسة السياسية المسؤولة.

ومع ذلك، يبدو أن جزءًا من النقاش العمومي لا يزال يدور في الحلقة نفسها. فكلما قدم الحزب مبادرة أو فكرة جديدة، عاد السؤال التقليدي: "كنتم في الحكومة، فماذا أنجزتم؟" وهو سؤال مشروع، ولا أحد يرفض الإجابة عنه. لكن هل يكفي هذا السؤال وحده؟ أليس من الأجدر أيضًا أن نناقش مضمون المبادرات الجديدة؟ وأن نسأل: هل هذه الأفكار قابلة للتنفيذ؟ وهل تقدم حلولًا واقعية لما يعانيه المواطن؟

إن اختزال النقاش في محاكمة الأشخاص أو الأحزاب يحرم الحياة السياسية من وظيفتها الأساسية، وهي إنتاج الأفكار والتنافس حول الحلول. فالأمم لا تتقدم بالصراعات الشخصية، بل بالحوار الرصين حول البرامج والسياسات العمومية.

اليوم، يضع حزب الاستقلال خمس التزامات أمام المغاربة، لا باعتبارها نصوصًا مقدسة، وإنما باعتبارها أرضية مفتوحة للنقاش والإغناء والتطوير. وقد يختلف البعض معها، وقد يقترح آخرون بدائل أفضل، وهذا هو جوهر الديمقراطية. أما أن نتجاوز الأفكار وننشغل فقط بمن اقترحها، فذلك لا يخدم النقاش العمومي ولا يساعد على بناء سياسات أكثر نجاعة.

لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة تبخيس المبادرات إلى ثقافة تقييمها، ومن منطق تصفية الحسابات إلى منطق التنافس حول الحلول. فالمغاربة لا ينتظرون سجالات سياسية عقيمة، بل ينتظرون أفكارًا صادقة، وإرادة قوية، وسياسات قادرة على تحسين حياتهم اليومية. وعندما يصبح النقاش حول الحلول أهم من النقاش حول الأشخاص، تكون السياسة قد أدت رسالتها الحقيقية في خدمة الوطن والمواطن.




الاربعاء 29 يوليو 2026

في نفس الركن
< >

الجمعة 24 يوليو 2026 - 12:35 مجتبى خامنئي ووداع لينين


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic