كتاب الرأي

154 ألف قضية طلاق وتطليق.. هل تكفي 5000 درهم لإنقاذ مؤسسة الزواج من أزمة الثقة والقيم وصراع الأدوار؟


في اللحظة التي تكشف فيها المؤشرات الرسمية عن تحول عميق في علاقة المغاربة بالزواج، اختارت الحكومة الجديدة أن تضع دعم المقبلين على الزواج ضمن برنامجها الاجتماعي، عبر منحة تصل إلى 5000 درهم. الإجراء يحمل بعدًا رمزيًا واضحًا، لأنه يعترف بأن تأسيس الأسرة لم يعد شأنًا خاصًا صرفًا، بل أصبح موضوعًا للسياسة العمومية. لكن السؤال الذي تفرضه الأرقام هو ما إذا كان هذا التدخل يلامس أصل الأزمة، أم يقترب فقط من كلفة الدخول إلى مؤسسة أصبحت شروط استمرارها أكثر تعقيدًا.



في سنة 2025 وحدها، سجلت أقسام قضاء الأسرة والمراكز القضائية 154 ألفًا و377 قضية طلاق وتطليق. وفي المقابل، يكشف البحث الوطني حول الأسرة لسنة 2025 عن فتور لافت تجاه الزواج نفسه، إذ صرح 51,7 في المائة من العزاب بأنهم لا يرغبون في الزواج، مقابل 40,6 في المائة فقط أبدوا رغبتهم فيه. والأكثر دلالة أن نسبة الرافضين للزواج ترتفع بين الرجال إلى 59,8 في المائة. هذه الأرقام لا تتحدث فقط عن ارتفاع الطلاق، بل عن تغير في صورة الزواج نفسها داخل المجتمع المغربي.

عمل المرأة غيّر معادلة الزواج..  وبقيت أدوار البيت معلقة بين نموذجين

التعليم والعمل غيرا موقع المرأة داخل الأسرة المغربية. لم تعد الزوجة في حالات كثيرة مرتبطة اقتصاديًا بالزوج كما كانت عليه أجيال سابقة، وأصبح لها حضور أكبر في القرار وفي المجال العام. ومع ذلك، تكشف أرقام سوق الشغل عن صورة أكثر تعقيدًا؛ ففي 2025 بلغ معدل نشاط النساء 19 في المائة فقط، مقابل 68,5 في المائة لدى الرجال، فيما وصل معدل البطالة لدى النساء إلى 20,5 في المائة. أي أن التحول موجود، لكنه لم ينتج بعد نموذجًا اقتصاديًا متساويًا داخل كل الأسر.


في المقابل، لم يتغير توزيع العمل المنزلي بالسرعة نفسها. وتُظهر آخر المعطيات المتاحة للمندوبية حول استعمال الوقت أن النساء يخصصن في المتوسط 4 ساعات و17 دقيقة يوميًا للأعمال المنزلية، مقابل 38 دقيقة فقط للرجال، كما تشارك 92 في المائة من النساء في هذه الأعمال مقابل 24 في المائة من الرجال.

هنا تتشكل أرضية جديدة للنزاع : الرجل قد يشعر بأنه ما يزال يتحمل النصيب الأكبر من الإيجار والفواتير والنفقات، وينتظر أن يخفف دخل الزوجة هذا العبء، فيما ترى الزوجة أنها أصبحت مطالبة بالعمل خارج البيت من دون أن تتحرر من الجزء الأكبر من العمل داخله. الأزمة، إذن، ليست في خروج المرأة إلى العمل، بل في أن النموذج الاقتصادي تغير قبل أن تتفق الأسرة على قواعد جديدة لتقاسم المال والوقت والسلطة والمسؤولية.


الطلاق خرج من دائرة العار.. والزواج لم يعد يستمر بأي ثمن
 
قبل عقود، لم يكن إنهاء الزواج قرارًا فرديًا بالسهولة الاجتماعية نفسها التي نراها اليوم. كانت وصمة الطلاق، خصوصًا بالنسبة إلى المرأة، أثقل؛ وكانت عبارة "مطلقة" تحمل أحيانًا حكمًا اجتماعيًا يتجاوز انتهاء العلاقة نفسها. ضغط العائلة والخوف من كلام المحيط والتبعية الاقتصادية كانت جميعها تجعل كثيرًا من الزيجات تستمر، ليس بالضرورة لأنها كانت أكثر استقرارًا، بل لأن كلفة الخروج منها كانت مرتفعة. اليوم تراجعت هذه الوصمة نسبيًا، وأصبح الطلاق أكثر قبولًا اجتماعيًا، ولم يعد الرجل أو المرأة مستعدين بالدرجة نفسها لتحمل علاقة يعتبرانها مهينة أو مستنزفة أو خالية من التفاهم.

لا يوجد في البحث الوطني مؤشر مباشر يقيس "وصمة العار"، لذلك لا يمكن تحويل هذا التحول إلى نسبة رقمية دقيقة. لكن مؤشرات أخرى تساعد على قراءته: معدل الطلاق يرتفع مع المستوى التعليمي من 1,3 في الألف لدى غير المتعلمين إلى 6,7 في الألف لدى ذوي المستوى الثانوي و4,6 في الألف لدى ذوي التعليم العالي. كما يبلغ المعدل 4,9 في الألف لدى النساء مقابل 2,4 لدى الرجال.

هذه الأرقام لا تعني أن التعليم يهدم الزواج، بل يمكن أن تعكس اتساع هامش القرار الفردي ومعرفة الحقوق والقدرة على مغادرة علاقة غير مرضية. ما تغير، إذن، ليس الزواج وحده، بل نظرة المجتمع إلى فكرة البقاء فيه مهما كانت كلفته.

5000 درهم قد تخفف كلفة الزواج في البداية.. لكنها لا تضمن استمراره

المال حاضر بقوة في أزمة الأسرة، لكن ليس فقط في ثمن حفل الزفاف. فبحسب البحث الوطني حول الأسرة، تأتي الصعوبات الاقتصادية في المرتبة الثانية ضمن الأسباب الرئيسية المصرح بها للطلاق بنسبة 12 في المائة، بعد الخلافات المنزلية التي تمثل 30,9 في المائة. وتأتي النزاعات مع عائلة الزوج بنسبة 11,6 في المائة، والعنف الزوجي بنسبة 8,8 في المائة.
 

وهذا مهم في تقييم منحة 5000 درهم. فالدعم يمكن أن يساعد في شراء تجهيزات أو تخفيف جزء من نفقات البداية، لكنه لا يؤدي وظيفة راتب شهري ولا يوفر مسكنًا ولا يحمي من البطالة. وفي سنة 2025، ظل معدل البطالة في المغرب عند 13 في المائة، وقفز إلى 37,2 في المائة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة، فيما بلغ عدد العاطلين 1,621 مليون شخص. إذا كان الشاب لا يضمن دخله بعد ستة أشهر أو لا يستطيع تمويل الكراء، فإن صعوبة الزواج لا تبدأ في نقص خمسة آلاف درهم، بل في عدم اليقين الذي يرافق السنوات التالية كلها.

من دعم الزواج إلى التدخل في خلافاته.. أين تقف حدود العائلة؟ 

الأسرة المغربية لم تفقد دورها التضامني. بل ما تزال تقوم بوظائف أساسية في الدعم المالي والسكن ورعاية الأطفال. لكن الارتباط القوي بالعائلة الممتدة قد يتحول بدوره إلى مصدر احتكاك عندما تنتقل الخلافات من الزوجين إلى أسرتيهما. وليس صدفة أن تضع نتائج البحث الوطني النزاعات مع عائلة الزوج ضمن أسباب الطلاق بنسبة 11,6 في المائة.

المفارقة أن العائلة التي قد تتدخل أثناء الزواج تعود بعد الطلاق لتصبح في كثير من الأحيان ملاذًا ضروريًا. فـ90,7 في المائة من الأسر أحادية الوالد بالمغرب تقودها نساء، وتظهر النتائج أن الطلاق وراء 58,5 في المائة من حالات تشكل هذا النوع من الأسر. بذلك لا يعود الانفصال شأنًا يخص شخصين، بل يعيد توزيع أعباء السكن والرعاية والنفقة على شبكة عائلية أوسع.
 

حين يصبح الطلاق عبئًا على الأسرة الممتدة لا على الزوجين فقط

لا تتوقف الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للطلاق عند صدور الحكم. تظهر نتائج بحث الأسرة أن 73,9 في المائة من النساء المطلقات يعشن بعد الطلاق مع أقارب مقربين، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى شبكة أمان عائلية بعد الانفصال. كما أن الأسر أحادية الوالد صغيرة في المتوسط، بنحو 2,7 فرد، لكنها شديدة التأثر بالهشاشة، وتترأس النساء أكثر من تسعة أعشارها.

هذا الجانب مهم لأن النقاش العام يميل إلى عدّ ملفات الطلاق وينتهي عند باب المحكمة، بينما آثاره تمتد إلى السكن، ودخل الأسرة، والنفقة، ورعاية الأطفال، وإعادة تكوين أسر جديدة. لذلك فإن كلفة الطلاق لا يتحملها الزوجان فقط؛ قد تنتقل إلى الأجداد والعائلة الممتدة وحتى إلى أنظمة الحماية الاجتماعية.
 
أزمة الثقة في الزواج.. كل طرف يحسب كلفة الفشل قبل البداية

 لا يمكن فهم ارتفاع الطلاق بمعزل عن تراجع جاذبية الزواج نفسه. فبحسب بحث الأسرة لسنة 2025، أكثر من نصف العزاب، 51,7 في المائة، لا يرغبون في الزواج، مقابل 40,6 في المائة يقولون إنهم يريدونه. وهذه النسبة لا تعني أن نصف المغاربة قرروا العزوف النهائي، لكنها تشير إلى أن المؤسسة لم تعد تمثل المسار التلقائي نفسه الذي كانت تمثله في أجيال سابقة.

فالرجل قد يرى أمامه تكاليف السكن والنفقة والمسؤولية المالية، ثم يضيف إليها في مخيلته احتمالات المتعة والنفقة والحضانة إذا انتهى الزواج. والمرأة، في المقابل، قد تخشى التضحية باستقلالها المهني أو تحمل العمل المنزلي والأطفال أو العثور على نفسها في وضع مالي هش بعد الطلاق. كل طرف أصبح أكثر وعيًا بما يمكن أن يخسره. وهذا الوعي قد يكون مفيدًا عندما يقود إلى اختيار أفضل، لكنه يصبح معطلاً عندما يتحول الزواج نفسه إلى حساب مسبق للخسائر المحتملة.

في المحصلة، تبدو منحة 5000 درهم خطوة رمزية أكثر منها جوابًا كافيًا على أزمة مركبة. فالزواج اليوم لا يواجه فقط ضغط السكن والدخل وغلاء المعيشة، بل يعيش أيضًا أزمة ثقة وتوترًا في توزيع الأدوار وخوفًا متزايدًا من الفشل.

وفي هذا السياق، يصبح الجانب التربوي والقيمي أساسيًا: الرجل ليس خصمًا للمرأة، والمرأة ليست تهديدًا للرجل، والزواج لا يفترض أن يكون ساحة لحساب من يربح ومن يخسر. المطلوب هو إعادة بناء فكرة الشراكة نفسها، على أساس الثقة والاحترام والتعاون والوضوح في الحقوق والواجبات، بدل الدخول إلى العلاقة بمنطق الدفاع المسبق عن النفس أو توقع الخيانة والاستغلال.

ولهذا، فإن معالجة أزمة مؤسسة الزواج تحتاج إلى ما هو أبعد من دعم مالي عند البداية. تحتاج إلى تربية أسرية وقيمية، وإلى خطاب اجتماعي يخفف الاستقطاب بين الرجال والنساء، ويعيد الاعتبار لفكرة التكامل بدل الصراع، بالتوازي مع سياسات للسكن والشغل والدخل والحماية الاجتماعية. فـ5000 درهم قد تساعد في أول خطوة، لكنها لا تستطيع أن تصنع ثقة، ولا أن تحل خلافًا حول الأدوار، ولا أن تبدد الخوف من الفشل، ولا أن تمول سنوات من المعيشة التي تزداد كلفتها.

 وإذا كانت الحكومة تريد دعم الزواج فعلًا، فالتحدي ليس فقط أن تساعد الشباب على دخوله، بل أن تساهم في خلق الشروط الاقتصادية والتربوية والقيمية التي تجعله قابلًا للاستمرار.
 




الجمعة 23 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic