منذ انطلاق البطولة، خطف المشجع الكونغولي ميشيل كيوكا أنظار المتابعين في المدرجات، لا بصخب ولا باستفزاز، بل بوقفة صامتة مهيبة، ظل خلالها واقفاً طوال المباريات، مجسداً شخصية الزعيم الوطني باتريس لومومبا. مائة وعشرون دقيقة في مباراة، تحولت إلى صورة رمزية تداولتها القنوات الإفريقية والدولية، وأثارت إعجاب العالم باعتبارها تعبيراً نبيلاً عن الذاكرة، والوفاء، والمقاومة.
غير أن هذه الصورة المضيئة لم تسلم من التشويه. فبعد نهاية المباراة، أساء اللاعب الجزائري محمد أمين عمورة مباشرة إلى ميشيل كيوكا، في تصرف فجّ جرّ عليه موجة انتقادات واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما اضطره إلى تقديم اعتذار علني أقر فيه بجهله بالشخصية التي كان يجسدها المشجع الكونغولي. اعتذار يمكن، نسبياً، تفهمه في سياق السن وحداثة التجربة.
لكن ما لا يمكن تفهمه، ولا تبريره، هو السقوط الأخلاقي الذي أعقب ذلك من طرف الإعلامية خديجة بن قنة، التي يفترض فيها، بحكم مسارها المهني وتجربتها الحياتية، أن تكون أكثر وعياً ومسؤولية. ففي تدوينة مستهزئة وصفت فيها ميشيل كيوكا بـ“المخلوق”، قائلة:
“حرام والله: المخلوق قعد واقف 120 دقيقة. يروح يرتاح الآن.”
تدوينة لا تعكس فقط سوء ذوق لغوي، بل تكشف عن فراغ أخلاقي وافتقار مقلق للحس التاريخي والإنساني. فمن المؤسف أن تعبّر صحفية ذات باع طويل في السياسة والصحافة عن فرحها بفوز منتخب بلادها – وهو فوز رياضي قابل للزوال – عبر الإساءة إلى مشجع اختار تخليد وقفة تاريخية لزعيم اغتيل لأنه تجرأ على الحلم باستقلال بلاده وكرامة قارته.
من المفترض أن خديجة بن قنة تعرف من هو باتريس لومومبا: زعيم استقلال الكونغو، ورئيس وزرائها سنة 1960، وأحد أبرز رموز التحرر الإفريقي. رجل لم تتجاوز فترة حكمه سنة واحدة، لكنه ترك أثراً سياسياً وأخلاقياً خالداً. والأهم، أنه عبّر صراحة عن دعمه للثورة الجزائرية، واعتبر أن استقلال الكونغو لا يكتمل إلا بتحرر الجزائر وبقية إفريقيا من الاستعمار الفرنسي.
فأي مفارقة هذه؟ أن يُهان رمز أفريقي جسّد التضامن مع الجزائر، من طرف خطاب جزائري يفترض أنه وريث لذاكرة التحرر؟ وأي انحدار هذا الذي يجعل صحفية مخضرمة تسقط في فخ السخرية، مؤكدة أن “الطبع يغلب التطبع”.
إذا كان اعتذار لاعب في الخامسة والعشرين من عمره يمكن أن يُقبل، فإن خديجة بن قنة، بعد 36 سنة من العمل الصحفي و61 سنة من تجارب الحياة، لا عذر لها أن تسقط هذه السقطة بلا مظلة. إنها ليست زلة لسان عابرة، بل تعبير عن منطق استعلائي، يفرغ الرياضة من بعدها الإنساني، ويحوّلها إلى ساحة لتفريغ الأحقاد.
واللافت، في مقابل هذا الانحدار، أن ميشيل كيوكا اختار، بعد كل ما حدث، أن يذهب إلى شارع باتريس لومومبا بالرباط، ويقف وقفته الشهيرة أمام يافطة تحمل اسم الزعيم. مشهد صامت، لكنه أبلغ من كل الضجيج؛ رسالة تقول إن القيم لا تُقاس بالصوت العالي، وإن الذاكرة لا تُهزم بالسخرية.
هكذا، لم تكشف المباراة فقط عن فائز وخاسر، بل كشفت عن فوارق أخلاقية شاسعة: بين من يرى في الكرة مناسبة للشماتة والإهانة، ومن يجعل منها فعلاً رمزياً يربط الرياضة بالتاريخ، والجسد بالذاكرة، والوقفة بالكرامة.
غير أن هذه الصورة المضيئة لم تسلم من التشويه. فبعد نهاية المباراة، أساء اللاعب الجزائري محمد أمين عمورة مباشرة إلى ميشيل كيوكا، في تصرف فجّ جرّ عليه موجة انتقادات واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما اضطره إلى تقديم اعتذار علني أقر فيه بجهله بالشخصية التي كان يجسدها المشجع الكونغولي. اعتذار يمكن، نسبياً، تفهمه في سياق السن وحداثة التجربة.
لكن ما لا يمكن تفهمه، ولا تبريره، هو السقوط الأخلاقي الذي أعقب ذلك من طرف الإعلامية خديجة بن قنة، التي يفترض فيها، بحكم مسارها المهني وتجربتها الحياتية، أن تكون أكثر وعياً ومسؤولية. ففي تدوينة مستهزئة وصفت فيها ميشيل كيوكا بـ“المخلوق”، قائلة:
“حرام والله: المخلوق قعد واقف 120 دقيقة. يروح يرتاح الآن.”
تدوينة لا تعكس فقط سوء ذوق لغوي، بل تكشف عن فراغ أخلاقي وافتقار مقلق للحس التاريخي والإنساني. فمن المؤسف أن تعبّر صحفية ذات باع طويل في السياسة والصحافة عن فرحها بفوز منتخب بلادها – وهو فوز رياضي قابل للزوال – عبر الإساءة إلى مشجع اختار تخليد وقفة تاريخية لزعيم اغتيل لأنه تجرأ على الحلم باستقلال بلاده وكرامة قارته.
من المفترض أن خديجة بن قنة تعرف من هو باتريس لومومبا: زعيم استقلال الكونغو، ورئيس وزرائها سنة 1960، وأحد أبرز رموز التحرر الإفريقي. رجل لم تتجاوز فترة حكمه سنة واحدة، لكنه ترك أثراً سياسياً وأخلاقياً خالداً. والأهم، أنه عبّر صراحة عن دعمه للثورة الجزائرية، واعتبر أن استقلال الكونغو لا يكتمل إلا بتحرر الجزائر وبقية إفريقيا من الاستعمار الفرنسي.
فأي مفارقة هذه؟ أن يُهان رمز أفريقي جسّد التضامن مع الجزائر، من طرف خطاب جزائري يفترض أنه وريث لذاكرة التحرر؟ وأي انحدار هذا الذي يجعل صحفية مخضرمة تسقط في فخ السخرية، مؤكدة أن “الطبع يغلب التطبع”.
إذا كان اعتذار لاعب في الخامسة والعشرين من عمره يمكن أن يُقبل، فإن خديجة بن قنة، بعد 36 سنة من العمل الصحفي و61 سنة من تجارب الحياة، لا عذر لها أن تسقط هذه السقطة بلا مظلة. إنها ليست زلة لسان عابرة، بل تعبير عن منطق استعلائي، يفرغ الرياضة من بعدها الإنساني، ويحوّلها إلى ساحة لتفريغ الأحقاد.
واللافت، في مقابل هذا الانحدار، أن ميشيل كيوكا اختار، بعد كل ما حدث، أن يذهب إلى شارع باتريس لومومبا بالرباط، ويقف وقفته الشهيرة أمام يافطة تحمل اسم الزعيم. مشهد صامت، لكنه أبلغ من كل الضجيج؛ رسالة تقول إن القيم لا تُقاس بالصوت العالي، وإن الذاكرة لا تُهزم بالسخرية.
هكذا، لم تكشف المباراة فقط عن فائز وخاسر، بل كشفت عن فوارق أخلاقية شاسعة: بين من يرى في الكرة مناسبة للشماتة والإهانة، ومن يجعل منها فعلاً رمزياً يربط الرياضة بالتاريخ، والجسد بالذاكرة، والوقفة بالكرامة.
الرئيسية























































