صحتنا

هل شعرت يومًا بهاتفك يهتز دون أن يصلك أي إشعار؟.. عندما يصنع الدماغ «اهتزازًا وهميًا»


تضع يدك في جيبك متأكدًا من أن هاتفك قد اهتز، فتخرج به لتكتشف أن الشاشة صامتة تمامًا، ولا توجد أي رسالة أو مكالمة أو إشعار. هذه التجربة شائعة أكثر مما نعتقد، ويطلق عليها العلماء اسم «متلازمة الاهتزاز الوهمي». فما الذي يحدث داخل الدماغ عندما نشعر بإشارة لم تحدث أصلًا؟



كم مرة اعتقدت أن هاتفك يهتز في جيبك، أو شعرت بإشعار قادم، ثم تفقدت الشاشة لتكتشف أنه لم يحدث شيء؟ قد يبدو الأمر غريبًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ظاهرة شائعة، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يلازمون هواتفهم لساعات طويلة خلال اليوم.

وتُعرف هذه الحالة باسم «متلازمة الاهتزاز الوهمي» (Phantom Vibration Syndrome)، كما ترتبط أحيانًا بما يسمى «قلق الهاتف» (Ringxiety)، وهي ظاهرة تجعل الدماغ يفسر إحساسًا جسديًا عاديًا على أنه اهتزاز صادر عن الهاتف.

واللافت أن الأمر لا يعني بالضرورة وجود مشكلة عصبية أو نفسية، بل يكشف، في جانب منه، عن الطريقة التي يعمل بها الدماغ في تفسير الإشارات التي تصل إليه.

 عندما يحوّل الدماغ إحساسًا بسيطًا إلى إشعار

الإحساس بأن الهاتف يهتز في الجيب أو بالقرب من الجسم يمكن اعتباره نوعًا من الخطأ في الإدراك الحسي اللمسي. وقد تبدو عبارة «هلوسة لمسية» مثيرة للقلق، لكنها هنا لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي أو مرض عصبي.

وتوضح طبيبة متخصصة في طب الأعصاب أن الدماغ قد يقع فيما يمكن وصفه بـ «إنذار إدراكي كاذب»، أي أنه يتوقع وصول إشارة معينة بدرجة كبيرة، فيفسر إحساسًا عاديًا على أنه الإشارة التي ينتظرها.

فاحتكاك الملابس بالجلد، أو حركة بسيطة في القماش، أو انقباض عضلي طفيف، بل وحتى نبض أحد الشرايين، يمكن أن تُفسَّر للحظات على أنها اهتزاز للهاتف.

بمعنى آخر، الإحساس حقيقي، لكن تفسير الدماغ له هو الذي يكون خاطئًا.

 لماذا يحدث ذلك؟

يعتمد الدماغ باستمرار على التوقعات السابقة في تفسير الإشارات الحسية التي تصل إليه. وعندما يصبح الهاتف حاضرًا في حياتنا بشكل دائم، ويظل صاحبه في حالة انتظار مستمر لمكالمة أو رسالة أو إشعار، قد يصبح الدماغ أكثر استعدادًا لالتقاط أي إحساس يمكن أن يشبه اهتزاز الهاتف.

ولهذا تكون الظاهرة أكثر شيوعًا لدى الأشخاص الذين يحتفظون بهواتفهم معهم طوال اليوم، أو الذين يتفقدونها بشكل متكرر.

وفي هذه الحالة، يبدو أن الدماغ يتصرف وفق منطق بسيط: تفويت إشعار مهم قد يبدو له أكثر كلفة من إطلاق إنذار كاذب. فيفضّل أحيانًا تفسير الإحساس الغامض على أنه اهتزاز للهاتف، حتى عندما لا يكون هناك أي إشعار فعلي.

ظاهرة شائعة أكثر مما نعتقد

لم تحظَ «متلازمة الاهتزاز الوهمي» باهتمام الباحثين إلا خلال السنوات الماضية، مع ازدياد اعتماد الناس على الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة.

وأظهرت إحدى الدراسات أن حوالي 89% من الطلبة الذين شملهم البحث سبق لهم أن شعروا باهتزاز وهمي للهاتف، فيما لم يكن الأمر مصدر إزعاج حقيقي بالنسبة إلى معظمهم.

كما أظهرت دراسة أخرى شملت العاملين في المجال الصحي أن نحو سبعة من كل عشرة مهنيين صحيين سبق لهم الإحساس باهتزازات أو سماع إشعارات وهمية مرتبطة بهواتفهم أو أجهزة النداء التي يستخدمونها في العمل.

ويبدو الأمر مفهومًا بشكل خاص بالنسبة إلى الأطباء والممرضين والعاملين في المناوبات، الذين يظلون في حالة انتباه مستمر للهواتف وأجهزة الإنذار والتنبيهات المهنية. وقد يصل الأمر أحيانًا إلى الاعتقاد بسماع هاتف العمل أو إحدى الآلات أو أجهزة الإنذار، رغم عدم صدور أي صوت فعلي.

 هل القلق يزيد من هذه الظاهرة؟

كلما ارتفع مستوى الترقب والانتباه تجاه الهاتف، أصبح الدماغ أكثر حساسية للإشارات المرتبطة به.

فالانتظار المستمر لمكالمة، أو الخوف من تفويت رسالة مهمة، أو الاعتياد على تفقد الهاتف كل بضع دقائق، يمكن أن يجعل الشخص في حالة تأهب دائم للإشعارات.

ومن هنا قد تتحول عادة بسيطة إلى دائرة متكررة: انتظار الإشعار، الإحساس بحركة بسيطة، تفسيرها على أنها اهتزاز، ثم إخراج الهاتف للتحقق منه، حتى عندما لا يكون هناك أي إشعار.

ولا يعني حدوث ذلك من حين لآخر أن الشخص يعاني من إدمان الهاتف أو من اضطراب نفسي، لكنه قد يكون مؤشرًا على مدى حضور الهاتف في انتباهه اليومي.

كيف يمكن الحد من الاهتزازات الوهمية؟

إذا أصبحت هذه الظاهرة متكررة أو مزعجة، يمكن لبعض العادات البسيطة أن تساعد على تقليلها، من بينها:

 إيقاف خاصية الاهتزاز عندما لا تكون ضرورية.
 تغيير مكان وضع الهاتف بدل إبقائه في الجيب طوال الوقت.
 تقليل عدد المرات التي يتم فيها تفقد الهاتف بشكل تلقائي.
 تخصيص فترات يومية بعيدًا عن الهاتف والشاشات.
 تجنب الاستجابة الفورية لكل إشعار، عندما لا يكون الأمر ضروريًا.

هذه الخطوات لا تهدف فقط إلى التخلص من «الاهتزاز الوهمي»، وإنما تساعد أيضًا على منح الدماغ فترات من الهدوء بعيدًا عن حالة الترقب المستمر.

 متى تستدعي الإحساسات المتكررة الانتباه؟

في معظم الحالات، تبقى الاهتزازات الوهمية ظاهرة حميدة وشائعة، ولا تدل وحدها على وجود مشكلة صحية.

لكن إذا ظهرت إحساسات غريبة ومتكررة في الجسم بعيدًا عن سياق استخدام الهاتف، أو رافقتها أعراض عصبية أخرى، مثل ضعف أو خدر مستمر أو اضطرابات في الحركة أو الإحساس، فمن الأفضل استشارة الطبيب للتأكد من عدم وجود سبب آخر.

وفي النهاية، ربما لا يكون الهاتف هو الذي يهتز دائمًا... بل إن دماغنا، الذي اعتاد انتظار إشعاراته، قد يكون هو من يسبق الإشعار أحيانًا.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الجمعة 16 أكتوبر 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | فيديوهات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic