كتاب الرأي

مقال حكومة جديدة.. هل يجد الشباب عملاً؟


مع تعيين الحكومة المغربية الجديدة في 16 أكتوبر 2026، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تجددت انتظارات فئات من المواطنين بشأن مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما لدى الشباب الذين يأملون في أن تفضي المرحلة الجديدة إلى فرص عمل مستقرة، وتحسين شروط العيش، وتوسيع إمكانات الاندماج المهني.



بقلم : الحسين خاوتي

وقد أفرزت الانتخابات التشريعية وتشكيل الأغلبية الحكومية مرحلة سياسية جديدة، تضع الفريق الحكومي أمام مسؤولية الاستجابة لتطلعات المواطنين، وترجمة الالتزامات المعلنة إلى برامج واضحة ونتائج قابلة للتقييم.

وتحتل قضية التشغيل مكانة أساسية ضمن هذه الانتظارات، لارتباطها باستقلال الشباب المادي، وثقة الأسر في التعليم والتكوين، وقدرة الاقتصاد الوطني على الاستفادة من الكفاءات التي تنتجها مؤسساته التعليمية.

غير أن التفاؤل المصاحب لبداية الولاية الحكومية يحتاج إلى مؤشرات عملية تسمح بتقييم الأداء. فالشباب ينتظر فرصاً مهنية حقيقية، ودخلاً يضمن الاستقرار، وسياسات تتعامل مع التفاوتات بين الجهات والفئات الاجتماعية.

وتطرح هذه المرحلة سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع الحكومة الجديدة تحويل آمال هؤلاء الشباب إلى سياسة تشغيل فعالة، تربط النمو الاقتصادي بفرص العمل والاستقرار الاجتماعي؟
 
 ماذا تقول الأرقام عن سوق الشغل؟
 
وفق التقرير السنوي للمندوبية السامية للتخطيط حول سوق الشغل لسنة 2025، بلغ معدل البطالة الوطني 13.3%، فيما وصلت بطالة حاملي الشهادات 19.6%، بينما بلغ معدل الشغل الناقص 10.9%.

وخلال السنة نفسها، أحدث الاقتصاد الوطني 193 ألف منصب شغل صافٍ، نتيجة إحداث 203 آلاف منصب في الوسط الحضري وفقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي.

وتوضح هذه المعطيات أن خلق فرص العمل يظل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً، خصوصاً لدى الشباب. كما تبرز الحاجة إلى دراسة طبيعة الوظائف التي يوفرها الاقتصاد، وتوزيعها الجغرافي، ومدى استقرارها وقدرتها على توفير دخل مناسب.

أما نتائج الفصل الثاني من سنة 2026، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط وفق البحث الجديد حول القوى العاملة، فقد سجلت معدل بطالة بالمفهوم الضيق بلغ 9.5%، ومعدل بطالة لدى الشباب من 15 إلى 24 سنة بلغ 27.2%. كما بلغ معدل البطالة لدى النساء 14.8%، واستقر المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة عند 18.9%.

وتستحق نتائج 2026 قراءة مستقلة، لأن المندوبية اعتمدت منظومة جديدة لقياس سوق الشغل، تشمل تعريفاً محدثاً للبطالة والتشغيل ومؤشرات أوسع للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة. ولذلك لا يمكن مقارنة هذه المعدلات مباشرة بمعدلات سنة 2025 وفق المنهجية السابقة.

وتمنح هذه الأرقام الحكومة الجديدة قاعدة عملية لتحديد أولوياتها، مع ضرورة اعتماد المؤشرات المتجانسة منهجياً عند تقييم تطور سوق الشغل مستقبلاً.
 
النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل
 
يتطلب تحسين التشغيل سياسة اقتصادية تربط الاستثمار بخلق وظائف مستقرة. فالمشاريع الكبرى والبنيات التحتية والصناعات الحديثة تساهم في تنشيط الاقتصاد، لكن أثرها الاجتماعي يرتبط كذلك بقدرتها على توفير فرص العمل وتطوير الأنشطة الاقتصادية المحيطة بها.

وتوضح بيانات سنة 2025 أن قطاع الخدمات أحدث 123 ألف منصب شغل، وقطاع البناء والأشغال العمومية 64 ألف منصب، بينما فقد قطاع الفلاحة والغابات والصيد 41 ألف منصب، وفق تقرير المندوبية السامية للتخطيط تفاوت قدرة القطاعات الاقتصادية على توفير فرص العمل، كما تبرز أهمية تنويع مصادر التشغيل وتقوية الأنشطة المنتجة في المناطق القروية.

وتحتاج الحكومة إلى دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتيسير وصولها إلى التمويل والأسواق، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتشجيع الاستثمار في الصناعات والخدمات ذات القيمة المضافة. كما يتطلب الأمر تحسين شروط المنافسة، وتطوير المهارات المهنية، وتعزيز الروابط بين المقاولات ومؤسسات التكوين.

ويقتضي تقييم السياسة الاقتصادية الاهتمام بعدد الوظائف المحدثة، واستقرارها، والأجور التي توفرها، وتوزيعها بين الجهات. فهذه المؤشرات تساعد على معرفة مدى انتقال أثر النمو إلى حياة المواطنين.
 
الجامعة وسوق الشغل.. من التكوين إلى الإدماج المهني
 
يمثل التعليم الجامعي استثماراً اجتماعياً ومادياً بالنسبة إلى الأسر المغربية، التي تنتظر أن يتيح التكوين فرصاً مهنية تتناسب مع مؤهلات الأبناء وطموحاتهم.

لكن العلاقة بين الشهادة والوظيفة تتأثر بعوامل متعددة، تشمل جودة التكوين، والمهارات التطبيقية، والتدريب المهني، وحجم الطلب على الكفاءات، وقدرة المقاولات على التوسع.

وتحتاج مؤسسات التعليم والتكوين إلى تطوير التوجيه المهني، وتعزيز التدريب داخل بيئة العمل، وتوفير بيانات دقيقة عن المسارات المهنية للخريجين. كما تحتاج المقاولات إلى المشاركة في تحديد المهارات المطلوبة، وتوفير فرص التدريب واكتساب الخبرة الأولى.

وفي المقابل، تقع على الحكومة مسؤولية التنسيق بين السياسات التعليمية والاقتصادية، وربط برامج التكوين بنتائج التشغيل الفعلية. ويمكن تحقيق ذلك عبر نشر مؤشرات دورية عن نسب الإدماج المهني بعد التخرج، ومستوى الأجور، واستمرار الخريجين في العمل.

وتحتاج هذه الإصلاحات إلى سياسة اقتصادية قادرة على استيعاب الكفاءات التي تنتجها الجامعات ومؤسسات التكوين. فملاءمة التكوين مع حاجات السوق تساعد على تحسين فرص العمل، بينما يظل خلق الوظائف مرتبطاً أيضاً بتوسع الأنشطة الإنتاجية والاستثمار.
 
 الإنصاف المجالي وتكافؤ فرص التشغيل
 
أحدث الاقتصاد المغربي سنة 2025 ما مجموعه 203 آلاف منصب شغل في الوسط الحضري، مقابل فقدان 10 آلاف منصب في الوسط القروي. وتضع هذه المعطيات التفاوتات المجالية ضمن الملفات التي تحتاج إلى اهتمام حكومي منتظم.

وتواجه المناطق القروية تحديات مرتبطة بتقلبات الإنتاج الفلاحي، والجفاف، ومحدودية تنوع الأنشطة الاقتصادية. وقد تدفع هذه الظروف الشباب إلى الانتقال نحو المدن بحثاً عن فرص العمل والتكوين، ما يزيد الضغط على السكن والنقل والخدمات الحضرية.

وتحتاج معالجة هذه التفاوتات إلى دعم الاستثمار المحلي، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمنتجات الفلاحية، وتشجيع الأنشطة السياحية والخدماتية، وتحسين البنيات الأساسية والرقمية.

كما ينبغي أن تراعي برامج التشغيل اختلاف حاجات الجهات، وأن تربط الاستثمارات العمومية بفرص العمل المحلية. ويساعد هذا التوجه على توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وتحسين فرص الشباب في الوصول إلى العمل دون الاضطرار إلى الانتقال بعيداً عن مناطقهم الأصلية.
 
 ما الذي ينتظره الشباب من الحكومة الجديدة؟
 
تتعلق انتظارات الشباب بالحصول على وظيفة مستقرة، وأجر مناسب، وحماية اجتماعية، وفرص للتطور المهني. كما ترتبط بإمكانية بناء مشروع شخصي وتحقيق الاستقلال المادي والمشاركة في الحياة الاقتصادية.

وتحتاج الاستجابة لهذه الانتظارات إلى برامج تراعي اختلاف أوضاع الشباب. فخريج الجامعة يحتاج إلى فرص تناسب مؤهلاته، والشاب الذي غادر المدرسة مبكراً يحتاج إلى التأهيل والتكوين، بينما تحتاج النساء اللواتي يواجهن عوائق في الولوج إلى سوق العمل إلى خدمات وفرص تراعي ظروفهن الاجتماعية والمهنية.

ويمكن للحكومة وضع أهداف معلنة بشأن التشغيل، مع تحديد آجال التنفيذ ونشر حصيلة دورية تسمح للمواطنين بتقييم النتائج. وينبغي أن تشمل هذه الحصيلة عدد الوظائف الصافية المحدثة، واستمرار العاملين في وظائفهم، ومستوى الأجور، ومشاركة النساء، والتفاوتات بين الجهات.

كما يتطلب الأمر مراجعة البرامج التي لا تحقق نتائج ملموسة، وتوجيه الموارد نحو المبادرات التي تثبت قدرتها على تحسين فرص التشغيل.

ويظل التفاؤل الذي يرافق بداية الولاية الحكومية فرصة لبناء الثقة، شريطة أن تصاحبه شفافية في القرارات، ووضوح في الأولويات، ومتابعة منتظمة للنتائج.
 
 التفاؤل والمساءلة.. أساس الثقة في العمل الحكومي
 
تمنح بداية الولاية الحكومية فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتطوير أساليب التدبير. غير أن نجاح هذه المرحلة يرتبط بقدرة المؤسسات على ترجمة البرامج المعلنة إلى نتائج يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية.

وتحتاج المساءلة إلى بيانات دقيقة وتقارير دورية، وإلى نقاش عمومي يتيح للبرلمان والمؤسسات الرقابية والباحثين ووسائل الإعلام متابعة أداء السياسات العمومية.

كما تحتاج الحكومة إلى توضيح الصعوبات التي تعترض التنفيذ، والتمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة، مع تقديم معلومات تساعد المواطنين على تقييم الأداء وفق معايير واضحة.

وتتطلب معالجة التشغيل تعاوناً بين الحكومة والمقاولات ومؤسسات التعليم والتكوين والجماعات الترابية. فهذه القضية ترتبط بالاستثمار والإنتاجية والمهارات والتنمية المجالية، ما يجعل التنسيق بين هذه الأطراف شرطاً لتحقيق نتائج مستدامة.

ويظل نجاح الحكومة في هذا الملف مرتبطاً بقدرتها على توفير فرص عمل مستقرة، وتحسين جودة الوظائف، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية أمام الشباب والنساء.
 
 الأمل بداية المسار والنتائج معيار التقييم
 
تبدأ الحكومة المغربية الجديدة عملها وسط انتظارات اجتماعية واقتصادية، تتصدرها قضية التشغيل لدى الشباب. وتوضح معطيات سنة 2025 حجم التحدي، فيما تقدم نتائج الفصل الثاني من سنة 2026 مؤشرات حديثة ينبغي قراءتها وفق المنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط.

وتحتاج الحكومة إلى سياسة متكاملة تربط الاستثمار بخلق فرص العمل، وتطور التكوين المهني، وتدعم المقاولات، وتحسن مشاركة الشباب والنساء في النشاط الاقتصادي، مع اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم النتائج.

غير أن التفاؤل المصاحب لبداية العمل الحكومي يحتاج إلى ترجمة عملية عبر أهداف معلنة، وآجال واضحة، وحصيلة دورية يستطيع المواطنون الاطلاع عليها ومناقشتها.
ويظل السؤال الذي يستحق أن يرافق الحكومة طوال ولايتها هو: هل تستطيع تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل مستقرة، وتحويل آمال الشباب إلى نتائج ملموسة في حياتهم اليومية؟

ستتحدد الإجابة من خلال السياسات التي تنفذها الحكومة، والفرص التي يوفرها الاقتصاد، ومدى شفافية الحصيلة التي تقدمها للمواطنين. فالأمل يمنح البداية معناها، أما العمل والمساءلة والنتائج فتحدد قيمة التجربة الحكومية.
 
وتملك الحكومة فرصة لصياغة سياسة متكاملة تربط الاستثمار بخلق فرص العمل، وتطور التكوين المهني، وتدعم المقاولات، وتحسن مشاركة النساء والشباب في النشاط الاقتصادي، مع اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم النتائج.

لكن التفاؤل الذي يرافق بداية العمل الحكومي يحتاج إلى أفق عملي، يتحدد بالأهداف والآجال والنتائج. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود متكررة بقدر حاجته إلى مسار واضح يستطيع من خلاله متابعة تنفيذ السياسات وتقييم أثرها.

ويظل السؤال الذي يستحق أن يرافق الحكومة طوال ولايتها هو: هل تستطيع تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل مستقرة، وتحويل آمال الشباب إلى نتائج ملموسة في حياتهم اليومية؟

ستتحدد الإجابة من خلال السياسات التي تنفذها الحكومة، والفرص التي يوفرها الاقتصاد، ومدى شفافية الحصيلة التي تقدمها للمواطنين. فالأمل يمنح البداية معناها، والعمل الجاد والمساءلة والنتائج هي التي تحدد قيمة التجربة الحكومية.
 
 




الجمعة 23 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic