بقلم : عدنان بنشقرون
أصبح الانطباع العام غريباً : لم تعد التكنولوجيا هي التي تتكيف مع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يحاول يائساً أن يلحق بالتكنولوجيا.
إن سرعة التطور أصبحت هائلة لدرجة أن حتى المهنيين في المجال الرقمي يجدون صعوبة في البقاء على اطلاع. فالدروس التعليمية تصبح قديمة في غضون أسابيع قليلة، والدورات التدريبية تفقد قيمتها قبل أن تُستكمل، وخبراء الأمس يعودون أحياناً مبتدئين بعد أشهر قليلة.
لكن الظاهرة تتجاوز بكثير مجال النماذج اللغوية الكبرى
ففي ظلها، يتغير النظام الرقمي بأكمله. منصات إدارة العلاقات مع الزبناء تدمج وكلاء محادثة ذكية، وبرامج التصميم أصبحت تولد صوراً كاملة من جملة واحدة، وأدوات إنشاء المحتوى تكتب وتترجم وتلخص وتحسن تلقائياً. كما دخل الصوت والفيديو والبرمجة والتسويق وخدمة الزبناء وحتى الإدارة تدريجياً في مرحلة جديدة من الأتمتة الذكية.
نحن أمام تحول بنيوي شامل، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة من بين أدوات أخرى، بل أصبح طبقة تكنولوجية تغطي تدريجياً كل البرامج وعمليات الإنتاج.
لكن هذا التسارع له كلفة أيضاً
بالنسبة للمقاولات، ترتفع فواتير الاشتراكات بشكل كبير. ففي السابق كان برنامج واحد كافياً، أما اليوم فقد أصبح من الضروري الجمع بين عدة منصات متخصصة: توليد النصوص، إنشاء الصور، إنتاج الفيديو، تحويل الصوت، الأتمتة، الوكلاء الذكيون، تحليل البيانات، وتنسيق سير العمل.
إلى جانب هذه الكلفة الظاهرة، تظهر اقتصاديات أقل شهرة لدى العموم : اقتصاد “الرموز” أو Tokens.
في عالم الذكاء الاصطناعي، أصبحت الـ Tokens المادة الخام للاقتصاد الرقمي الجديد. كل طلب، كل تحليل، كل عملية توليد صورة أو فيديو تستهلك وحدات غير مرئية. وهي تمثل في الوقت نفسه القدرة الحاسوبية ووقت المعالجة، وبالتالي المال.
في الأمس، كان الاقتصاد الرقمي يُقاس بعرض النطاق الترددي أو التخزين أو عدد المستخدمين. أما غداً فقد يُقاس بمليارات الـ Tokens المستهلكة.
وخلف الواجهات الأنيقة والمحادثات السلسة، توجد بنية تحتية عالمية ضخمة تتكون من مراكز بيانات ومعالجات متخصصة وقدرات طاقية هائلة ونماذج تزداد استهلاكاً للموارد باستمرار.
إن ثروة جديدة بدأت تتشكل
الشركات التي تتحكم في النماذج والبنى التحتية وقدرات الحوسبة أصبحت تمتلك اليوم أدوات نفوذ تشبه تلك التي كانت لدى عمالقة النفط والاتصالات والسحابة الرقمية في السابق.
كما تطرح هذه التحولات سؤالاً نادراً ما يُطرح : كم من المؤسسات تمتلك فعلاً الموارد البشرية القادرة على استيعاب هذه الثورة؟
في المغرب كما في غيره، العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة لم تُكمل بعد تحولها الرقمي التقليدي، لكنها تجد نفسها اليوم مطالبة بالانتقال إلى مرحلة “التحول الوكيلي”. ويكتشف المسيرون في الوقت نفسه المساعدات الذكية والوكلاء المستقلين وسير العمل المؤتمت وأساليب الإنتاج الجديدة.
الخطر لم يعد تقنياً فقط
الخطر يتمثل في اتساع الفجوة بين من يفهم قواعد اللعبة الجديدة ومن يعيش آثارها دون استعداد. فالثورة الحقيقية ليست فقط في الذكاء الاصطناعي، بل في السرعة التي يتطور بها.
ولأول مرة في التاريخ الصناعي الحديث، يتقدم الابتكار بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات والمهن وأحياناً حتى الدول على التكيف.
كثيرون أصبحوا يرددون نفس الجملة : «أنتم تتحركون بسرعة كبيرة، لم نعد قادرين على مواكبة ذلك».
ومع ذلك، فإن التباطؤ لم يعد خياراً، إن الفهم والتجربة والتعلم المستمر أصبح ضرورة استراتيجية. في هذا العالم الجديد، لن تكون الميزة التنافسية لمن يملك أفضل الأدوات فقط، بل لمن يتعلم بسرعة أكبر من الآخرين.
تدعو Anthropic مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى تعليق أعمال التطوير
يدعو مبتكر Claude في شركة Anthropic كبار مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى التفكير في وقف منسق وقابل للتحقق من تطوير هذه التكنولوجيا، محذراً من أن التقدم السريع قد يسمح قريباً للأنظمة الذكية بأن تتطور أسرع مما يمكن للمجتمع إدارة مخاطره
الرئيسية















