بقلم : عدنان بنشقرون
الهدف، وفق هذه القراءة، ليس الانتقام من الأوروبيين بقدر ما هو تذكيرهم بقاعدة بسيطة في منطق ترامب : لا يمكن طلب الحماية الأمريكية ورفض المخاطر العسكرية، وفي الوقت نفسه توقع الإفلات من الكلفة. وفي هذه المنطقة الرمادية، بين دبلوماسية الأزمات والحسابات الانتخابية وموازين القوة الاقتصادية، قد يتشكل أحد السيناريوهات الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة.
ربما ينبغي التوقف عن قراءة دونالد ترامب وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية. فاستراتيجيته لا تقوم دائمًا على أيديولوجيا واضحة أو عقيدة سياسية ثابتة. غالبًا ما تتخذ طابعًا صفقاتيًا، مباشرًا، وأحيانًا شبه محاسبي. وفي الملف شديد الحساسية المرتبط بالحرب حول إيران، قد لا يكون التفسير الأقرب هو معاقبة الأوروبيين عمدًا. التفسير الأكثر بساطة وربما الأكثر إثارة للقلق هو كالتالي : إذا رفضت أوروبا تحمل المخاطر العسكرية، فعليها أن تتحمل الكلفة الاقتصادية والطاقية والسياسية.
هنا يتشكل سيناريو يبدو منطقيًا. فواشنطن ربما لم تسعَ إلى “إجبار” أوروبا على الدفع بدافع الانتقام كما لو كانت تعاقب حليفًا متمردًا. المنطق أقرب إلى الأسلوب الترامبي في إدارة العلاقات. تقوم الفكرة على صفقة ضمنية : تتولى الولايات المتحدة المبادرة الاستراتيجية، وتدفع إسرائيل نحو التصعيد، لكن إذا رفض الأوروبيون الانضمام إلى التحالف أو زيادة مستوى انخراطهم، فلن يكون بإمكانهم توقع الحماية من تداعيات الصدمة المرتبطة بأسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد وموجات التضخم. بمعنى أوضح : إن لم ترغبوا في القتال، فستدفعون الثمن بطريقة أخرى.
تكتسب هذه القراءة وزنها لأنها تتوافق مع سمة ثابتة في نهج ترامب. فهو لا يتصرف كحارس متجرد للنظام الغربي، بل كمفاوض قوة يبحث عن المقابل في كل تحالف. كل حماية لها ثمن، وكل شراكة ينبغي أن تنتج مقابلًا، وكل رفض ينبغي أن يقابله ثمن. في هذا التصور، لا تُعامل أوروبا كشريك يجب مراعاته إلى ما لا نهاية، بل ككتلة من الدول الغنية التي تعتمد على أمن طرق التجارة البحرية واستقرار الخليج، لكنها غالبًا ما تتردد عندما يتعلق الأمر بالدخول في المواجهة العسكرية المباشرة.
في هذه المعادلة، لا يظل مضيق هرمز مجرد ممر بحري حيوي، بل يتحول إلى أداة ضغط سياسية. فمجرد التشكيك في أمن تدفقات الطاقة عبره كفيل بدفع الأسعار إلى الارتفاع وإرباك الأسواق وإضعاف الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.
ومن بين هذه الاقتصادات، تبدو أوروبا الأكثر عرضة للصدمات. فهي تعاني أصلًا هشاشة في مجال الطاقة بعد سنوات من الاضطرابات التضخمية، كما أن بعض توازناتها السياسية الداخلية لا تزال هشة. في مثل هذا السياق، قد يرى ترامب أن رفض الأوروبيين الانخراط في الاستراتيجية الأمريكية ليس بلا ثمن. فبدل أن يدفعوا الكلفة في ساحة المعركة، قد يجدون أنفسهم يدفعونها عبر الفاتورة الاقتصادية.
ويزداد هذا السيناريو واقعية لأنه يتقاطع أيضًا مع القيود الداخلية في الولايات المتحدة. فترامب يدرك أن ارتفاع أسعار الوقود بشكل حاد يمكن أن يرتد عليه سياسيًا في الداخل الأمريكي. لذلك يحتاج إلى الحفاظ على توازن دقيق: قدر من الضغط يسمح له بفرض شروطه على الحلفاء، لكن دون التسبب في ارتفاع مفرط للأسعار قد ينعكس سلبًا على الناخب الأمريكي.
وهنا تظهر مفارقة اللحظة. فالبيت الأبيض قد يسعى إلى استغلال هشاشة أوروبا الطاقية، وفي الوقت نفسه يحاول الحد من التأثير على الاقتصاد الأمريكي. فالجيوسياسة الصلبة تصطدم هنا بواقع بسيط لكنه حاسم: سعر الوقود في محطات البنزين.
لذلك قد يكون من المبالغة الحديث عن مؤامرة معادية لأوروبا. هذا التوصيف يبسط الأمور أكثر مما ينبغي. الأدق ربما هو الحديث عن تقاسم للأعباء بطريقة أكثر قسوة. فترامب قد لا يقول للأوروبيين “أنا أعاقبكم”، بل قد يكتفي بالقول : لقد اخترتم مستوى التزامكم، وهذه هي كلفته الحقيقية. إنها طريقة لتحويل التضامن الأطلسي من خطاب مثالي إلى منطق أكثر واقعية، وربما أكثر صراحة. لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لضمان نظام دولي يستفيد منه الآخرون دون مقابل؛ إنها تقدم الفاتورة.
بالنسبة لأوروبا، يكمن الخطر في هذا الموقع الوسيط تحديدًا. فالتحدي لا يقتصر على خطر الحرب نفسها، بل على احتمال البقاء في منطقة رمادية : قريبة جدًا من واشنطن لتكون محايدة، وحذرة جدًا لتكون منخرطة بالكامل، لكنها مكشوفة بما يكفي لتحمل الكلفة دون أن تمتلك القرار. في مثل هذا الوضع لا يُكتسب نفوذ استراتيجي، ولا يتحقق استقرار اقتصادي.
في النهاية، قد لا يكون السيناريو المطروح سيناريو انتقام بقدر ما هو شكل من “التعليم عبر الصدمة”. فترامب قد يسعى إلى تذكير الأوروبيين بأن الامتناع في الجغرافيا السياسية لا يعني دائمًا الإفلات من النتائج. فحتى عندما يختار طرف ما عدم المشاركة في المعركة، قد يجد نفسه في نهاية المطاف مطالبًا بدفع فاتورتها. وفي العالم الذي يتشكل اليوم، تُكتب هذه الفاتورة أكثر فأكثر بلغة الطاقة: براميل النفط، وشحنات الغاز الطبيعي المسال، وأقساط التأمين البحري، ونقاط التضخم
الرئيسية















