يجب الانطلاق من الحقائق فقط. في 16 مارس 2026، شهدت أسعار الوقود في المغرب ارتفاعًا كبيرًا: حوالي +2 درهم للتر للديزل و+1,44 درهم للتر للبنزين؛ إذ وصل الديزل إلى نحو 12,80 درهم والبنزين إلى حوالي 13,93 درهم.
بعد أسبوعين، ظهرت توقعات جديدة ليوم 30 مارس منتصف الليل : +2,40 درهم للديزل، وبين +1,40 و+1,54 درهم للبنزين الخارق. إذا تحققت هذه التوقعات، فإننا سندخل في حالة نفسية ثقيلة، حوالي 15 درهم وأكثر.
المشكلة بالنسبة للمستهلك المغربي بسيطة للفهم لكنها صعبة للعيش. في بلد تظل فيه السيارة غالبًا أداة عمل، حيث ينقل النقل البري الجزء الأكبر من البضائع، وحيث تحمل الأسر بالفعل موجات التضخم منذ 2022، فإن الوقود ليس مجرد نفقة معزولة. عندما يرتفع سعر اللتر، لا يدفع ثمنه السائق وحده؛ بل يمتد أثره إلى الخضر في السوق، والتاكسي، والتوصيل، ومواد البناء، وتذاكر الحافلة، وأحيانًا حتى سعر الخبز. يصبح الوقود ضريبة منتشرة، بلا تصويت ولا نقاش، وهذه المرة يحمل عبق الحرب.
الخلفية الدولية لا تترك مجالًا للراحة. ذكرت وكالة رويترز في 29 مارس أن خام برنت يتجه نحو زيادة شهرية قياسية، حوالي 60% خلال مارس، مع تجاوز سعر البرميل 115 دولارًا، في سياق توسع النزاع حول إيران، الحوثيين، والممرات المائية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر وباب المندب. بعض المصادر تشير إلى بلوغ أو تجاوز خام برنت مؤقتًا 119 دولارًا. عند هذا المستوى، لا يمكن الحديث عن توتر عابر؛ نحن أمام سوق في حالة ذعر، حيث تلتهم علاوة المخاطر الجيوسياسية الحسابات المعتادة.
المغرب، مع اعتماده على الطاقة ونقاط الضعف في التكرير، يواجه واقعًا صارمًا
يدفع المغرب حاليًا ثمن اعتماده شبه الكامل على واردات الهيدروكربورات المكررة. عندما يرتفع الخام، ويقفز الديزل المكرر، وتتشنج النقلات، ويضغط سعر الدرهم على التحويل، يتحمل البلد الصدمة بلا مخفف كبير. عدة مقالات في مارس ذكرت أن توقف مصفاة سامير ألغى وسادة صناعية مهمة، ليس فقط في التكرير بل في التخزين أيضًا. تُشير بيانات "ميديا 24" إلى أن مصفاة المحمدية تمتلك قدرة تخزين نحو 2 مليون م³، ما يعادل 60 يومًا، ويمكن أن يزيد المخزون الاستراتيجي الوطني إلى أكثر من 80 يومًا، مقابل نحو ثلاثين يومًا حاليًا حسب المنتج.
هنا يتحول النقاش إلى سياسي واقتصادي وفلسفي تقريبًا. هل يمكن لبلد أن يعتبر نفسه استراتيجيًا إذا جعل طاقته تعتمد شبه كلي على سوق عالمي متوتر ومجزأ وعسكري؟ السؤال ليس أيديولوجيًا؛ إنه محاسبي، اجتماعي، ومغربي. كل أزمة دولية تختبر الآن نفس نقطة الضعف: تقدم المغرب في الطاقة المتجددة نجاح حقيقي، لكن بالنسبة للوقود السائل الذي يشغل اللوجستيك اليومي، تظل الهشاشة واضحة.
بالفعل، لم يبق المغرب مكتوف اليدين. أكدت وزارة الانتقال الطاقي بداية مارس أنها تتابع يوميًا حالة المخزونات الوطنية لضمان التزويد، داعية المشغلين إلى المسؤولية. كما أشارت عدة وسائل إعلام إلى أن موردي المملكة متنوعون وأن التزويد الفوري ليس مهددًا. أي أن خطر النقص ليس الموضوع الرئيسي في هذه المرحلة؛ الموضوع هو السعر، والسعر المرتفع قادر أيضًا على إرباك البلد حتى إذا كانت الخزانات ممتلئة.
لكن من يدفع الثمن فعليًا في اللتر المغربي؟
في النقاش العام، هناك إغراء لتحديد مذنب وحيد : شركات النفط، الدولة، الحرب، الأسواق، سامير، الضرائب. في الواقع، اللتر الذي يدفعه المواطن المغربي هو تراكم. أولًا تكلفة المنتج الدولي، ثم مصاريف اللوجستيك والاستيراد، ثم الضرائب مثل الضريبة على المحروقات وضريبة القيمة المضافة، وأخيرًا الهوامش التجارية. لفهم السعر، يجب قبول هذه الإضافة؛ لتعديله، يجب تحديد أي عنصر يتم التأثير عليه.
الضغط الشعبي ضد الموزعين حقيقي
مجلس المنافسة يتابع السوق عن كثب وأعلن في 27 مارس تعزيز المراقبة لمنع أي تطور غير مبرر للأسعار. تظهر التقارير الأخيرة أن الهوامش الإجمالية تظل مهمة : في الربع الثالث 2025، كانت حوالي 1,48 درهم للتر للديزل و2,10 درهم للتر للبنزين. البيانات المنشورة في 2025 أظهرت أيضًا هامش صافي متوسط حوالي 43 سنتيم للديزل و61 سنتيم للبنزين في 2024. لا يمكن تجاهل مسألة الهوامش بهذه البساطة.
لكن يجب القول أيضًا إن هذه الهوامش لا تكفي وحدها لتفسير ارتفاع 2 درهم أو أكثر. عندما يقفز خام برنت أكثر من 50% خلال شهر، ويصعد الوقود المكرر أسرع، ويرتفع سعر طن الديزل عالميًا بشكل مفاجئ، فإن معظم الصدمة تأتي من المصدر. النقاش الجاد ليس في إنكار الهوامش؛ بل في تجنب التبسيط. نعم، يجب مراقبة المنافسة، لكن لا يزيل ذلك صدمة الجغرافيا السياسية العالمية.
هل يجب خفض الضرائب، ضبط الهوامش، أو إعادة تشغيل مصفاة سامير؟
السيناريو الأكثر إغراءً سياسيًا معروف : تخفيض مؤقت للضرائب على الوقود. دول أخرى فعلت ذلك في حالات الطوارئ؛ فقد ذكرت رويترز في 30 مارس أن أستراليا ستخفض ضريبة الوقود إلى النصف لمدة ثلاثة أشهر لتخفيف ارتفاع الأسعار. الفكرة جذابة لأنها واضحة وسريعة ومفهومة. في المغرب، هذا الخيار سيخفف العبء عن الأسر وقطاع النقل، ويرسل أيضًا إشارة قوية نفسيًا: الدولة لا تترك المواطنين يواجهون العاصفة وحدهم.
لكن لهذه الخطوة تكلفة كبيرة على الميزانية إذا استمرت الأزمة، وقد تستفيد بلا تمييز جميع الفئات، بما فيها الأكثر ثراء. اختارت الحكومة في هذه المرحلة دعمًا استثنائيًا للنقل البري لتخفيف جزء من الصدمة وحماية القدرة الشرائية، وهو أكثر استهدافًا وأقل وضوحًا للمستهلك العادي الذي يرى أسعار المحطات ترتفع بلا شبكة أمان.
ضبط الهوامش سياسيًا شعبي، واقتصاديًا معقد. أي تدخل مفرط قد يثني الاستثمار اللوجستي، ويعقد التزويد أو يحرك الضغط إلى مكان آخر في السلسلة. بالمقابل، فرض شفافية عامة على تركيب الأسعار، مستوى الهوامش، وفترة انعكاس الزيادات والانخفاضات، يبدو مسارًا معقولًا. المستهلك المغربي لا يريد شعارات؛ يريد أرقامًا توضح من يأخذ ماذا في كل لتر.
تبقى المسألة الكبرى : هل يجب إعادة تشغيل سامير؟ مع تراكم الانتقادات على الجمود، أصبح من الصعب تجاهل الملف. عدة أصوات، بما فيها نقابية وصحفية اقتصادية، ترى أن التكرير الوطني استراتيجية في أوقات الأزمات. عروض الاستحواذ لا تزال تظهر، بينما يتجاوز الالتزام المالي لسامير 30 مليار درهم حسب "ميديا 24". إعادة التشغيل ليست زرًا سحريًا؛ تحتاج لتركيب صناعي ومالي وقانوني معقد. لكن عدم الفعل ومواصلة الخضوع لكل أزمة خارجية كمتفرج ضعيف أصبح مكلفًا سياسيًا.
الاختبار الحقيقي : حماية القدرة الشرائية دون خداع الوطن
لم يصل سعر اللتر إلى 18 درهم بعد؛ هو مستوى تحذيري إذا استمرت الاتجاهات الحالية. يجب تبني الحذر : عدم تحويل توقع إلى حقيقة، وعدم تجاهل الخطر. في ديسمبر 2025، كان الديزل أقل من 10 دراهم في بعض المحطات؛ وبعد ثلاثة أشهر، عاد الحديث عن 15، ثم 16، وربما 18 درهم. هذه التقلبات تعكس هشاشة الطاقة في بلد مستورد.
الأمر يتجاوز مجرد الوقود. يطرح عدة أسئلة صعبة : هل نموذج الأمن الطاقي كافٍ؟ هل المخزون كافي؟ هل الشفافية في تحديد الأسعار موثوقة؟ وهل يجب أن يكون المستهلك المغربي هو الفتيل الدائم لكل صدمة خارجية؟
المغرب يمتلك عدة مزايا : استقرار مؤسسي، استمرارية استراتيجية للدولة، تقدم في الطاقة المتجددة، وقدرة على التدخل في الطوارئ. يعرف البلد كيف يتصرف، لكنه يجب أن يثبت أنه يعرف أيضًا كيف يقي نفسه. فملء خزان بـ15 درهم نتحمله، وبـ18 درهم نخشاه. واقتصاد معتاد على هذه الصدمات يدفع ثمنها دائمًا الفئات الأضعف.
للمرة الأولى، تتجرد الحقيقة من مفهومها التقني لتصبح ملموسة . تظهر في مشهد يومي مغربي : أب يقف أمام محطة الوقود، يراقب أسعار البنزين قبل أن يبدأ الأسبوع. في تلك اللحظة، تتوقف الجغرافيا السياسية على أن تكون مجرد كلمة على شاشة التلفاز، لتتحول إلى مسألة كرامة شخصية، وثقة في قدرة الدولة على حماية المواطنين دون ارتجال أو وعود فارغة
الرئيسية















