بقلم : عدنان بنشقرون
للأسف، لدى منتقدي كل خطوة ميدانية، يبدو الأمر مشبوهًا. أي زيارة ستُعتبر محسوبة، أي لقاء مسرحًا، أي تعبئة منظمة مسبقًا. بهذا المنطق، الأفضل منع المسؤولين من مغادرة مكاتبهم، وهو نهج غير منطقي. السياسة الديمقراطية لا تقتصر على المؤسسات، بل تشمل الميدان والتواصل المباشر مع المواطنين، خاصة في أوقات الأزمات.
إنه لمن المثير للسخرية، رؤية البعض وهم يدينون حضور المتعاطفين أو المناضلين حول مسؤول سياسي، وكأن الأمر يتعلق بجريمة غير مسبوقة. فمنذ متى فَقَدَ أي حزب الحق في تعبئة قواعده المحلية أثناء زيارة ميدانية؟
ومنذ متى أصبح 'القرب النضالي' أكثر صادماً من 'اللامبالاة التكنوقراطية'؟ إن محاكمة النوايا المستمرة هذه تخلط بين كل شيء : بين الالتزام الحزبي، وهو أمر طبيعي تماماً في أي ديمقراطية، وبين الاستغلال النفعي، وهو أمرٌ يقتضي الإثبات بدلاً من إلقائه كأنه حقيقة بديهية ناتجة عن كسل في التحليل
هذا الاتهام الدائم يخلط بين المشاركة الديمقراطية الطبيعية والاستغلال السياسي المزعوم، الذي يحتاج إلى إثبات قبل الادعاء به. ويضاف إليه اتهام “الموقف المزدوج” لحزب الاستقلال : ضمن الأغلبية الحكومية وناقد في الوقت نفسه.
هنا أيضًا، يندهش المنتقدون من التوازن. هل يجب أن يفقد الحزب صوته الحر بمجرد انضمامه للتحالف؟ أن يصبح مجرد آلة تصفيق بلا نقد أو تنبيه أو رؤية سياسية؟ سيكون ذلك انتهاكًا للديمقراطية وخطرًا على صحة النقاش العام. الانتماء للأغلبية لا يعني الصمت أو الانصهار في الظلام.
على العكس، في ظل الضغوط على القدرة الشرائية، وارتفاع القلق الاجتماعي، وإرهاق المواطنين من الوعود الفارغة، من الطبيعي أن يلتقي المسؤولون المواطنين على الأرض.
الفضيلة هنا ليست في غياب الزيارات، بل في التفاعل المباشر بدل الانصراف وراء "برود إعلامي" يحركه المنتقدون. أما توقيت الزيارة، الذي اعتبره البعض مشبوهًا، فهو يكشف فقط عن سوء نية من ينظرون للسياسة كمسلسل تلفزيوني. إذا حضر المسؤول مبكرًا فهو انتخابي، وإذا تأخر فهو مهمل. وجود الحشود يعتبر مسرحية، وغيابها عزلة.
الواقع أبسط : في العرائش، عانى السكان تجربة صعبة، والحضور مهم. لا يغني عن التعويضات أو الإصلاحات أو السياسات العامة، لكنه عمل سياسي مشروع وضروري.
الديمقراطية لا تقتصر على المكاتب؛ تتطلب المشاهدة، الاستماع، الرد والمساءلة. من يسخر باستمرار من كل تحرك ميداني لا يدافع عن المتضررين، بل يعزز ثقافة الشك التي تقوض كل عمل عام. وفي النهاية، بين حضور مرفوض وغياب كامل، المواطن يعرف غالبًا ما يفضله.
في العرائش، كان نزار بركة حاضرًا، وهذا أكثر احترامًا من راحة الذين يحكمون من بعيد. لم يأتِ فارغ اليدين، بل جاء بالإعلانات الملموسة، الالتزامات المالية، والرؤية التي تتجاوز الانفعال اللحظي، من دمج العرائش في صندوق الكوارث الطبيعية المرفوع إلى 3 مليارات درهم بتوجيه ملكي سامٍ، إلى المساعدات المباشرة للأسر المتضررة، دعم الفلاحين، إعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، بالإضافة إلى المشاريع الهيكلية لمنع الكوارث المستقبلية — من سد تفر المستقبلي، تأمين مياه الشرب، إلى طرق تهدف لكسر العزلة — كلها خطوات عملية وضعت على الطاولة.
يمكن دائمًا مناقشة الأسلوب، أو التوقيت، أو النية، هذا حق “محترفي الشك”. لكن لا يمكن الادعاء بأن الزيارة فارغة، حين ترافقها إجراءات، موارد، وخطة عمل واضحة. في السياسة، اتهامات النية تصدر فقط الضوضاء، أما القرارات، فتترك أثرها
الرئيسية















