وتكشف التطورات الأخيرة حجم الضغط الذي تواجهه السلطات، إذ لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بمطالب اجتماعية متصلة بغلاء المعيشة، بل امتدت إلى نقاش سياسي واسع حول قدرة الحكومة على توقع أعمال العنف، وكيفية تعامل قوات الأمن معها، وحدود استخدام القوة خلال الاحتجاجات.
ماكرون يعترف بثغرات في الاستباق الأمني
طلب الرئيس الفرنسي من وزارة الداخلية الإسراع بوضع أساليب جديدة لعمل قوات الأمن الداخلي في الميدان، على أن تركز بصورة أكبر على مواجهة الأشخاص المتورطين في أعمال التخريب، مع الحرص على عدم الخلط بينهم وبين المتظاهرين.
كما أقر ماكرون بوجود ثغرات في الاستباق وجمع المعلومات الاستخباراتية سبقت اندلاع أعمال العنف، وهو ما يعكس اعترافاً من أعلى هرم السلطة بأن الأجهزة لم تنجح بالكامل في توقع حجم المواجهات التي شهدتها عدة مدن فرنسية.
وشدد الرئيس في الوقت نفسه على ضرورة اعتماد أكبر قدر من الشفافية عند تقييم ما وقع، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة من المعارضة ومن عدد من المسؤولين المحليين.
وتأتي هذه التصريحات بعد كلمة متلفزة ألقاها ماكرون مساء الأحد وتابعها نحو 16,7 مليون مشاهد. غير أن الخطاب لم يتضمن، وفق المعطيات الواردة، إعلانات سياسية أو اجتماعية كبرى قادرة على امتصاص حالة الغضب، ما أبقى الانتقادات قائمة في اليوم التالي.
وزير الداخلية يقدم استقالته وماكرون يرفضها
في تطور يعكس حجم الارتباك الذي خلفته الأحداث داخل الحكومة، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز أنه قدم استقالته إلى رئيس الجمهورية بعد موجة العنف الأخيرة.
وقال نونييز إنه اتخذ هذه الخطوة لشعوره بالمسؤولية عما حدث، مقراً بأن بعض المدن شهدت لحظات فقدت خلالها السلطات السيطرة على الوضع.
لكن الإليزيه قرر الإبقاء عليه في منصبه، معتبراً أن المرحلة تتطلب استمرار القيادة الحالية لقوات الأمن وعدم إحداث فراغ على رأس وزارة الداخلية.
ولم يكن نونييز المسؤول الوحيد الذي أقر بوجود مشكلات في إدارة الأحداث، إذ اعتبر وزير العدل جيرالد دارمانان أن السلطات «أخفقت بلا شك»، في مؤشر إلى أن النقاش حول المسؤولية لم يعد مقتصراً على المعارضة.
أكثر من 2300 شخص رهن الاحتجاز
تظهر الحصيلة الرسمية حجم المواجهات التي عرفتها فرنسا، إذ وُضع 2331 شخصاً رهن الاحتجاز لدى الشرطة، بينما أودع العشرات الحبس الاحتياطي.
وفي المقابل، تحدثت السلطات عن إصابة نحو ألف عنصر من قوات الأمن خلال الاضطرابات، وهي أرقام تعكس اتساع رقعة الاحتجاجات وحدتها خلال يومي السبت والأحد.
كما سجلت إصابات خطيرة في صفوف بعض المتظاهرين. ففي سانت إتيان تعرض شاب يبلغ من العمر 17 عاماً لبتر في يده جراء انفجار قنبلة، بينما فقدت شابة من العمر نفسه إحدى عينيها في مدينة مولوز.
واستمرت الاضطرابات يوم الأحد، وإن كانت بدرجة أقل مقارنة باليوم السابق، حيث أوقفت السلطات نحو 350 شخصاً في باريس خلال النهار والليل.
وتضع هذه الحصيلة السلطات أمام ضغط مزدوج: التعامل مع أعمال التخريب والنهب من جهة، والرد على التساؤلات المتعلقة بطريقة تدخل الشرطة والإصابات المسجلة بين المتظاهرين من جهة أخرى.
الطلاب يدخلون على خط الاحتجاج
امتدت التعبئة صباح الاثنين إلى الوسط الطلابي، بعدما أغلق طلاب عدداً من مداخل متحف اللوفر في باريس، تعبيراً عن دعمهم لتحركات طلاب المدارس الثانوية واحتجاجاً على ما وصفوه بـ«قمع الشرطة».
وتعكس هذه التحركات اتساع دائرة الاحتجاج خارج المجموعات التي خرجت في نهاية الأسبوع، بما يثير مخاوف السلطات من استمرار التعبئة وانتقالها إلى فئات اجتماعية جديدة.
وفي الوقت نفسه، دعت حركة «السترات الصفراء» إلى يوم جديد من الاحتجاج السبت المقبل، ما يضع الحكومة أمام مهلة قصيرة لإعادة ترتيب مقاربتها الأمنية والسياسية قبل موعد تعبئة جديد.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة بالنظر إلى التجربة السابقة للحركة، التي نجحت في فترات سابقة في فرض نفسها على الأجندة السياسية الفرنسية من خلال احتجاجات أسبوعية استمرت لأشهر.
الحكومة تبحث عن مخرج سياسي وأمني
بالتوازي مع التحركات الميدانية، عقدت الحكومة سلسلة اجتماعات طارئة لمناقشة طريقة التعامل مع الوضع ومنع تكرار مشاهد التخريب والمواجهات التي سجلت خلال نهاية الأسبوع.
ويتمحور النقاش حول تحسين التنسيق بين أجهزة الأمن وتعزيز قدرات الاستباق، إلى جانب تحديد طريقة أكثر دقة للتدخل ضد المخربين من دون زيادة التوتر مع المحتجين السلميين.
وتواجه الحكومة انتقادات من اتجاهات سياسية متعارضة؛ فاليسار يتهم السلطة بعدم الاستماع إلى المطالب الاجتماعية وبالاعتماد المفرط على المقاربة الأمنية، في حين يطالب اليمين بإجراءات أشد حزماً لاستعادة النظام وإنهاء أعمال التخريب.
أما المعارضة بصورة أوسع فتحمل الرئيس مسؤولية تطور الأزمة، معتبرة أن جذورها لا تنحصر في طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات، وإنما تمتد إلى السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي أشعلت الغضب المرتبط بغلاء المعيشة.
أزمة في توقيت انتخابي حساس
تزداد حساسية هذه الأحداث لأنها تأتي قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، في وقت تشير فيه المعطيات الواردة إلى تصدر مارين لوبن استطلاعات الرأي.
ولا يحق لماكرون، الذي وصل إلى الإليزيه سنة 2017، الترشح لولاية رئاسية جديدة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة تشكيل واسعة للمشهد السياسي الفرنسي.
وبذلك، تتحول كل أزمة اجتماعية أو أمنية كبيرة إلى عنصر إضافي في النقاش الانتخابي، سواء تعلق الأمر بالقدرة الشرائية أو الأمن أو الهجرة أو المديونية أو أداء المؤسسات.
الرئيسية

















