عمر بنجلون : قانون المحاماة.. ويستمر التصعيد..
عاد ملف مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 66-23 إلى واجهة النقاش العمومي، بعد تصاعد احتجاجات المحامين وتحذير عدد من الأصوات القانونية والسياسية من خطورة بعض المقتضيات التي يرون أنها تمس جوهر المهنة، وتحد من استقلاليتها، وتفتح الباب أمام إضعاف دور الدفاع داخل منظومة العدالة. وفي هذا السياق، قدّم المحامي والفاعل السياسي عمر بنجلون قراءة حادة للمشروع، مؤكداً أن المعركة الجارية لا تتعلق بمطالب فئوية أو تحسين شروط الممارسة، بقدر ما ترتبط بحماية حق المواطنين في محاكمة عادلة ووجود دفاع مستقل قادر على أداء رسالته دون ضغط أو وصاية.
بنجلون شدد على أن المحاماة ليست مجرد مهنة تقنية داخل سلسلة التقاضي، بل هي ركن أساسي من أركان العدالة، إلى جانب القضاء والنيابة العامة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مساس بحصانة الدفاع أو استقلالية المحامي أو السر المهني لا يطال المحامين وحدهم، بل ينعكس مباشرة على جودة العدالة وعلى ثقة المواطنين في المؤسسة القضائية. لذلك، يقول المتحدث، إن المحامين حين يحتجون اليوم فهم لا يدافعون عن مصالح ضيقة، بل عن فكرة أوسع: أن العدالة لا يمكن أن تستقيم إذا فقد الدفاع استقلاليته وتحول إلى طرف ضعيف داخل ميزان مختل.
الانتقاد الأكبر الذي وجّهه بنجلون إلى المشروع انصب على ما اعتبره نزوعاً واضحاً نحو إخضاع المهنة لمنطق إداري وقضائي يضعف تنظيمها الذاتي. ووفق هذا التصور، فإن عدداً من الصلاحيات التي كانت تُعد من صميم استقلالية الهيئات المهنية، سواء في ما يتعلق بالتكوين أو الامتحانات أو التدبير الداخلي، باتت مهددة بالانتزاع أو بالتقليص لفائدة وزارة العدل أو السلطة القضائية. وبالنسبة إليه، فإن هذا التحول لا يمكن اعتباره مجرد تعديل تقني، بل يعكس توجهاً سياسياً وتشريعياً يرمي إلى الحد من قدرة المحامين على تنظيم أنفسهم بحرية، وعلى الدفاع عن مهنتهم ومواقفهم باستقلال كامل.
ومن بين النقاط التي اعتبرها بالغة الحساسية، ما يتعلق بإمكانية متابعة النقيب من طرف الوكيل العام، إلى جانب تضييق هامش الاحتجاج والتعبير داخل فضاءات المحاكم. هذه المقتضيات، بحسب بنجلون، لا تضرب فقط الحرية النقابية للمحامين، بل تخلق وضعاً تصبح فيه المهنة تحت ضغط مزدوج: ضغط النص القانوني، وضغط السلطة القضائية نفسها، في وقت يفترض فيه أن يكون المحامي قادراً على الترافع بحرية والدفاع عن موكله دون خوف من التبعات المرتبطة بموقعه أو بموقفه. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الدفاع حين يفقد هامش الاستقلال، تصبح المحاكمة برمتها مهددة في توازنها.
في قراءته للأبعاد الأوسع لهذا الملف، ربط بنجلون بين التشريع الجديد وبين مناخ عام يتسم بتراجع مساحات الاحتجاج والتعبير، معتبراً أن ما يجري لا ينفصل عن سياق أشمل من إعادة ضبط الحقول المهنية والنقابية بما يضعف استقلالها وقدرتها على المبادرة. ومن هنا، فإن معركة المحامين ليست قانونية فقط، بل هي أيضاً معركة مدنية ودستورية، لأن الدفاع المستقل يشكل جزءاً من الضمانات الأساسية لدولة الحق والقانون. وإذا ضعفت هذه الضمانة، فإن المواطن العادي هو أول من سيدفع الثمن، لا من خلال النقاشات النظرية، بل داخل قاعات المحاكم وعند لحظة البحث عن إنصاف فعلي.
الحديث لم يتوقف عند حدود المهنة، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث قدم بنجلون تشخيصاً لوضع اليسار المغربي وتحدياته الراهنة. وقد اعتبر أن التشتت الذي يطبع مكوناته يضعف قدرته على تقديم بديل سياسي واضح، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى قوة تقدمية موحدة قادرة على التفاعل مع القضايا الاجتماعية والديمقراطية والوطنية. بالنسبة إليه، فإن توحيد الصفوف لم يعد خياراً تكتيكياً، بل ضرورة سياسية، خاصة في ظل تراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة واستمرار ظواهر مثل شراء الأصوات واستعمال المال والنفوذ للتأثير في المسار الانتخابي.
وفي هذا الإطار، دافع بنجلون عن فكرة المشاركة السياسية الواعية بدل المقاطعة، معتبراً أن الانسحاب من المجال الانتخابي يترك الساحة فارغة أمام القوى الأكثر قدرة على التحكم في النتائج. كما ميز بوضوح بين العمل السياسي الحقيقي، القائم على المشروع والرؤية، وبين التكنوقراطية التي تتحرك بمنطق التدبير البارد أو التنفيذ دون ارتباط بإرادة شعبية واضحة. هذا التمييز، في نظره، أساسي لفهم ما يجري اليوم في الحياة العامة، ولإدراك أن المعركة ليست فقط حول القوانين، بل حول طبيعة السياسة نفسها: هل تظل مجالاً للتعبير عن المجتمع ومطالبه، أم تتحول إلى آلية مغلقة لإعادة إنتاج التوازنات نفسها؟
في المحصلة، تبدو رسالة عمر بنجلون واضحة: استقلالية المحاماة ليست امتيازاً مهنياً، بل شرط من شروط العدالة. وكل محاولة لإضعاف الدفاع، أو لتقليص هامش تنظيمه الذاتي، أو لتطويق حريته في التعبير والاحتجاج، هي في النهاية مساس مباشر بالمواطن وحقه في الإنصاف. أما سياسياً، فإن استمرار التشتت وغياب التعبئة الواعية لن يخدما سوى منطق التحكم، في وقت يحتاج فيه البلد إلى مؤسسات قوية، وقضاء متوازن، ودفاع مستقل، وحياة سياسية أكثر صدقاً مع المجتمع.
آخر الأخبار
|
حياتنا
|
صحتنا
|
فن وفكر
|
لوديجي ستوديو
|
كتاب الرأي
|
أسرتنا
|
تكنو لايف
|
بلاغ صحفي
|
لوديجي ميديا [L'ODJ Média]
|
كيوسك
|
اقتصاديات
|
كلاكسون
|
سپور
|
المراقبة السياسية