بقلم : عدنان بنشقرون
لسنوات، بنت الفنادق الأمريكية رهاناتها على صيف استثنائي في 2026، على أساس أن كأس العالم الموسعة ستجلب ملايين الزوار وترفع الأسعار إلى مستويات قياسية. غير أن السوق بدأ يعطي إشارات مغايرة، أكثر هدوءًا وأقل اندفاعًا.
وفق بيانات شركة Lighthouse التي نقلتها وسائل إعلام اقتصادية دولية، فإن أسعار الغرف خلال أيام المباريات في مدن مثل أتلانتا ودالاس وميامي وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو سجلت انخفاضًا يقارب الثلث مقارنة بذروتها في بداية السنة. ليس انهيارًا للسوق، لكنه تراجع واضح في موجة التفاؤل المبالغ فيها.
المثير أن هذا التراجع جاء بعد فترة ارتفاع قوية، إذ قفزت الأسعار عقب قرعة المونديال بنحو 14.75%. لكن جزءًا من تلك الموجة بدأ يتراجع تدريجيًا مع إعادة تقييم الطلب الفعلي.
ومن اللافت أن أول إشارة ملموسة لم تأتِ من المسافرين، بل من المنظم نفسه. فقد ألغت الفيفا في فيلادلفيا حوالي 2000 غرفة كانت محجوزة مسبقًا ضمن ترتيباتها، وهو ما فُسّر رسميًا على أنه تعديل تقني في الاحتياجات التنظيمية، لكنه في السوق يُقرأ كإشارة على أن حجم الطلب المتوقع ليس بالضخامة التي رُسمت سابقًا.
وهكذا، وبينما كان الاعتقاد السائد أن الفنادق ستُحجز بالكامل وبأي ثمن، بدأت الصورة تتغير نحو واقع أكثر توازنًا، لا يحمل انهيارًا، لكنه لا يعكس أيضًا الاندفاع الأولي.
تذاكر بأسعار تدفع المشجعين إلى إعادة الحساب
من جانب آخر، يبرز ملف التذاكر كأحد أكثر العناصر إثارة للجدل. فأسعار المباريات وصلت إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البطولة، نهائي 19 يوليو في نيوجيرسي يتراوح بين 2030 و6370 دولارًا، بينما مباراة الافتتاح في مكسيكو تتراوح بين 560 و2735 دولارًا. حتى مباريات الدور الأول لم تسلم من الارتفاع، إذ تتراوح أسعارها بين 100 و575 دولارًا، مع فئة محدودة عند 60 دولارًا فقط.
هذا الارتفاع دفع مجموعات من المشجعين إلى تقديم شكاوى رسمية ضد سياسة التسعير المعتمدة، معتبرين أنها تتجاوز ما كان معمولًا به في النسخ السابقة، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد على نظام التسعير الديناميكي الذي يرفع الأسعار حسب الطلب.
حرب إيران تزيد كلفة السفر وتعقد القرار
العامل الجيوسياسي بدوره ألقى بظلاله على الحدث. فمع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران، ارتفعت أسعار الوقود في قطاع الطيران بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على أسعار الرحلات الجوية، وأجبر شركات الطيران على إعادة هيكلة تسعيرها وخفض بعض السعات التشغيلية.
أمام هذا الواقع، لم يعد المشجع يحسب تكلفة التذكرة فقط، بل بات يواجه حزمة كاملة من المصاريف: تذاكر المباريات، الإقامة، النقل، التأشيرات، وحتى درجة الاستقرار السياسي. هذا التعقيد يدفع كثيرين إلى إعادة النظر في قرار السفر أو البحث عن وجهات بديلة أقل كلفة وأقل توترًا.
كما أن صورة الولايات المتحدة كوجهة سياحية بدأت تعرف بعض التراجع، مع تسجيل انخفاض في أعداد الزوار الأجانب خلال العام الماضي، وهو ما يعكس أن العوامل النفسية والسياسية أصبحت جزءًا من قرار السفر، وليس فقط الأسعار.
في هذا السياق، لم يعد الأمر مرتبطًا فقط بحماس رياضي عالمي، بل بحسابات أكثر برودة تتعلق بالأمان والتكلفة والجدوى.
لا أزمة… لكن لا طفرة أيضًا
رغم كل هذه المؤشرات، لا يمكن الحديث عن فشل. الولايات المتحدة لا تزال وجهة سياحية كبرى، والسلطات تتوقع بالفعل تدفقًا مهمًا للزوار خلال المونديال.
لكن ما تغيّر هو الصورة المثالية التي كانت تُروّج لفكرة “الطفرة المضمونة”. فالمونديال لا يواجه نقصًا في الاهتمام بكرة القدم، بل يصطدم بتراكم عوامل تجعل المشاركة أكثر كلفة وتعقيدًا وعدم يقين.
النتيجة ليست انهيارًا، بل إعادة ضبط للتوقعات. كل شيء ما زال قائمًا، لكنه لم يعد بسيطًا أو مضمونًا كما كان يُعتقد
الرئيسية















