كتاب الرأي

سيدتي الوزيرة، أودّ أن أدافع عن حصيلتكم. فساعدونا بالدلائل


سيدتي الوزيرة، لقد استمعت إلى تصريحاتكم الأخيرة، سواء داخل البرلمان أو في البرامج التلفزيونية. وبصراحة، ومع كامل الاحترام لمقامكم، أجد أنني اليوم أعرف أقل مما كنت أعرفه سابقًا. ربما المشكلة عندي، وربما يتعلق الأمر بضعف فهمي لموضوع بهذه التقنية العالية. لكن يبدو لي أن خطابًا عامًا أكثر وضوحًا، وأكثر دقة، والأهم أنه مدعوم بالمعطيات، كان سيُغني النقاش العمومي بشكل كبير.



بقلم : عدنان بنشقرون

فنحن لا نتحدث هنا عن ملف ثانوي. نحن نتحدث عن الطاقة، أي عن السيادة، والمالية العمومية، وتنافسية المقاولات، والقدرة الشرائية للأسر، وفي العمق عن اختيار نموذج تنموي للمغرب. لقد أصبح الموضوع أكبر من أن يُختزل في أرقام تُطرح دون شرح منهجي، أو نسب تُذكر دون مسار واضح، أو أهداف تُعلن دون برهنة كاملة.
 

هذا ليس موقفًا جدليًا. بل هو محاولة للفهم. أود أن أتمكن من الدفاع عن حصيلتكم. أود أن أشرح، بالأرقام، ما الذي تحقق فعلاً، وما الذي تم قياسه، وما الذي تم تمويله، وما الذي لا يزال يُنتج اليوم آثارًا ملموسة. لكن لتحقيق ذلك، يجب أولاً أن تكون المعطيات متاحة، والمشاريع محددة، والنتائج قابلة للتحقق.
 

في ملف بهذه الأهمية، لا يمكن للنقاش العمومي أن يقوم على الانطباعات. بل يجب أن يقوم على الأدلة. الدفاع عن حصيلة عمومية ليس تمرينًا في التواصل، بل هو تمرين في البرهنة.
 

وفي حالة النجاعة الطاقية في المغرب، تكمن الصعوبة اليوم في صيغة أصبحت في آن واحد عملية ومربكة : 6,58% من الاقتصاد في الطاقة سنة 2020، وفق مؤشر يُنسب إلى الوكالة المغربية للنجاعة الطاقية، وقد استشهدت به الوزيرة ليلى بنعلي بداية سنة 2025، مع الإشارة المهمة إلى أن هذا المؤشر كان حينها “قيد التحيين”.
 

بمعنى آخر، الرقم موجود، لكنه يأتي محاطًا بضبابية منهجية تجعل من الصعب الاعتماد عليه كحجة مركزية في أي دفاع جاد عن السياسة العمومية. والموضوع أكبر من مجرد رقم.
 

فالمغرب لا يزال يعتمد هيكليًا على واردات الطاقة. ويشير مجلس المنافسة إلى أن الفاتورة الطاقية بلغت حوالي 50 مليار درهم سنة 2020، ثم 76 مليارًا سنة 2021، وأكثر من 153 مليار درهم سنة 2022، قبل أن تتراجع إلى 122 مليارًا سنة 2023. وتشير معطيات أحدث، مستندة إلى إحصاءات مكتب الصرف، إلى حوالي 107,6 مليار درهم سنة 2025، ما يؤكد استمرار الهشاشة البنيوية رغم بعض التحسن الظرفي.
 

في هذا السياق، كل نقطة في النجاعة الطاقية لها وزن كبير. لكن لأنها مهمة، يجب أن تكون قابلة للتتبع بدقة.
 

المشكل إذن ليس في التشكيك التلقائي في نسبة 6,58%. المشكل أبسط وأكثر صرامة: عمّ نتحدث بالضبط؟ هل يتعلق الأمر بتقليص في الاستهلاك النهائي الوطني؟ أم بفارق مقارنة بسيناريو مرجعي؟ أم بتجميع لتدابير قطاعية نموذجية؟ أم بربح جزئي تم إسقاطه على المستوى الوطني؟
 

ما لم تُنشر هذه الآلية بشكل واضح، سيبقى الرقم مفيدًا سياسيًا، لكنه ضعيف تقنيًا. والرقم الضعيف لا يحمي الحصيلة، بل يعرضها للشك.
 

هذا التردد ليس افتراضًا نقديًا فقط، بل هو موجود في تقارير رسمية. فقد سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أشار إلى غياب آليات دقيقة للقياس، والتتبع، وتحيين المعطيات، إضافة إلى ضعف لوحات القيادة الخاصة بتقييم النتائج الفعلية.
 

بمعنى آخر، الدولة نفسها كانت قد شخصت، منذ سنوات، اختلالًا في نظام القياس والتتبع والتحقق (MRV)، قبل أن يعود النقاش اليوم إلى الواجهة.
 

وهنا يصبح النقد، على نقيض ذلك ، عنصر دفاع. نعم، سيدتي الوزيرة، يمكن الدفاع عن سياسة النجاعة الطاقية في المغرب. يمكن الإشارة إلى وجود إطار واستراتيجية ومجالات تدخل واضحة: النقل، الصناعة، المباني، الإنارة العمومية، والفلاحة. الهدف المعلن هو حوالي 20% من الاقتصاد في الطاقة في أفق 2030.
 

كما أن هناك برامج ومشاريع : التدقيق الطاقي، التأهيل في الإدارات، مشاريع في الإنارة العمومية، والمساجد، ودعم الصناعة، وتعزيز القدرات. وتم كذلك تعزيز الإطار القانوني، من خلال إلزامية التدقيق الطاقي ودور الوكالة المغربية للنجاعة الطاقية في التتبع وتكوين قاعدة بيانات.
 

لكن السؤال الحقيقي لم يعد هو وجود النصوص أو البرامج، بل مدى إنتاجها الفعلي للأثر القابل للقياس: كم عدد التدقيقات المنجزة؟ أين؟ وبأي نتائج؟ وما حجم التوفير الذي تحقق فعليًا؟
 

لقد انتقل النقاش إلى مرحلة جديدة. مرحلة لم يعد فيها كافيًا إعلان الأهداف أو الإطار القانوني. نحن اليوم أمام سؤال الأثر الملموس، فحين أشارت تقارير سابقة للمجلس الأعلى للحسابات إلى تأخرات تنظيمية ونقص في التمويل وضعف في البيانات، كان الرد الرسمي يؤكد أن منظومة متكاملة قيد الإرساء. اليوم، نحن في 2026. بعد سنوات من ذلك التشخيص، وبعد اعتماد استراتيجية 2030، يصبح السؤال: أين هي سلسلة الإثبات الكاملة؟
 

فالنجاعة الطاقية لا تُرى بالعين. هي تُقاس. لذلك تعتمد الدول التي نجحت في هذا المجال على تقارير تفصيلية حسب القطاع، وحسب البرنامج، وأحيانًا حسب المشروع، بدون ذلك، تتحول السياسة إلى أرقام معلنة يصعب التحقق منها.
 

ومع ذلك، توجد عناصر إيجابية يمكن البناء عليها. فهناك مشاريع حقيقية: تشخيص طاقي في مئات المساجد، برامج في الإدارات، تدخلات في الإنارة العمومية، وتأهيل مهني، وإعادة هيكلة مؤسسات مثل الشركة الاستثمارية للطاقة (SIE) لتلعب دور “Super ESCO”، لكن هذه المبادرات ما تزال مشتتة، ولم تتحول بعد إلى منظومة وطنية موحدة للبيانات والنتائج.
 

لذلك، سيدتي الوزيرة، إن أردنا الدفاع عن حصيلتكم فعلاً، فالطريق واضح : نشر سلسلة الإثبات، نشر منهجية حساب 6,58%. تحديد المعطيات، الفرضيات، المشاريع المحتسبة، التمويلات، والنتائج الفعلية، كما يجب نشر عدد التدقيقات، ونسبة تنفيذ التوصيات، ومؤشرات الأداء القطاعية، عندها فقط يمكن أن يتحول النقاش من الجدل إلى التقييم.
 

لأن الإشكال في النهاية ليس بين مؤيد ومعارض، بل بين ثقافتين : ثقافة تعتبر أن الإعلان عن مؤشر هو في حد ذاته إنجاز، وثقافة تعتبر أن الإنجاز لا يصبح كذلك إلا إذا كان قابلاً للقياس والتحقق والاستمرار

في 2026، لم يعد المغرب في حاجة إلى شعارات جديدة بقدر ما هو في حاجة إلى وضوح أكبر، فالسياسة العمومية حين تكون غير مقروءة، تفقد جزءًا من قوتها، حتى وإن كانت تنتج أثرًا فعليًا.

نعم، سيدتي الوزيرة، يمكن الدفاع عن حصيلتكم. لكن بشرط واحد : أن ننتقل من منطق الأرقام المعلنة إلى منطق الأدلة الموثقة، لأن الميغاواط ساعة المُوفَّر يساوي الميغاواط ساعة المُنتَج. لكن في النقاش الديمقراطي، لا قيمة لأي توفير غير مُثبت أو غير مُعلن أو غير قابل للتحقق.

في 2026، لم يعد ذلك كافيًا.





الاثنين 20 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic