كتاب الرأي

إيران : ثلاث سيناريوهات محتملة لمستقبل النظام بعد الحرب

التطبيع القسري : سيناريو “صيني” – عسكَرة معلنة للنظام – تحوّل هجين


هناك حروب تُدمّر المدن والبنيات التحتية وسلاسل الإمداد. ثم هناك حروب أخرى تُحدث ضرراً أعمق بكثير : إنها تُحدث شقوقاً داخل رواية النظام نفسه. وهذا، في تقديري، ما يحدث اليوم في إيران.



بقلم : عدنان بنشقرون

منذ الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير 2026، ثم الإعلان عن وفاة علي خامنئي في أعقابها، وبعد ذلك صعود مجتبى خامنئي تحت تأثير ثقيل من “الحرس الثوري”، لم تعد المعادلة الإيرانية كما كانت. وتفيد تقارير رويترز أن هذه مرحلة الانتقال تمت هندستها بدرجة كبيرة من طرف الحرس، وأن عدداً من المصادر داخل إيران باتت تخشى تحول النظام إلى دولة عسكرية بواجهة دينية رقيقة.
 

شعوري الأساسي بسيط : ما بعد الحرب في إيران لن يُحسم عبر خطابات النظام، بل عبر طبيعة السلطة الحقيقية: من يقرر؟ ومن يمسك بزمام الحرب والسلم والتفاوض والقمع وإعادة الإعمار؟
 

هذا السؤال أصبح أهم من الشعارات نفسها، خاصة وأن جهاز الدولة لم ينهَر رغم الضربات. بل على العكس، يُظهر قدرة واضحة على إعادة الترميم السريع. فقد أشارت رويترز في 19 أبريل 2026 إلى أن إيران تعيد بناء وتحديث منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع من مرحلة ما قبل الحرب.
 

في هذا السياق، يمكن تمييز ثلاثة سيناريوهات كبرى لمستقبل النظام الإيراني :
 

السيناريو الأول هو “التطبيع القسري”، وهو السيناريو الذي يفضّله البعض من الخارج. إيران، المنهكة من الحرب والخسائر البشرية والضغط الاقتصادي والعزلة الاستراتيجية، قد تتجه نحو إعادة تموضع براغماتية: تقليص المغامرات الإقليمية، إعطاء الأولوية للبقاء الداخلي، والانفتاح الاقتصادي المشروط على القوى التي اصطدمت بها.
 

المحادثات التي يُقال إنها تُناقَش عبر وساطة باكستانية تشير إلى وجود قناة تفاوض، ولو كانت هشة، بين واشنطن ومراكز القرار الجديدة في طهران.
 

هذا السيناريو له منطقه : فالدول المنهكة قد تختار الاستقرار بدل التصعيد. وعندما تتجاوز كلفة الأيديولوجيا عوائدها السياسية، تبدأ الأنظمة في تعلم لغة الواقعية. في هذه الحالة، لن تتخلى إيران عن هويتها الاستراتيجية، لكنها قد تقلّص نطاق المواجهة، وتعيد ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. إنه نوع من “النموذج الصيني” غير المعلن: دولة صلبة، اقتصاد أكثر حضوراً، وأيديولوجيا أقل صخباً.
 

لكن رغم منطقية هذا التصور، إلا أنه يبدو اليوم الأقل احتمالاً.
 

السيناريو الثاني، والأكثر واقعية على المدى القصير، هو عسكَرة النظام بشكل واضح ومباشر. في هذا الإطار، سيكون مجتبى خامنئي أقرب إلى رمز سياسي من  أن يكون مركز قرار فعلي، بينما تنتقل السلطة تدريجياً نحو “الحرس الثوري”.
 

هذا السيناريو يتماشى مع منطق الأنظمة التي خرجت من الصدمات : كلما اشتد الضغط، زادت مركزية القرار الأمني والعسكري. وفي هذه الحالة، لا يختفي البعد الديني، لكنه يتحول إلى غطاء رمزي، بينما تصبح المؤسسة العسكرية هي محور الدولة الحقيقي.
 

النتيجة ليست نظاماً أكثر استقراراً، بل نظاماً أكثر صلابة وتوتراً ونزعة قومية أعلى، مع قابلية أكبر للتصعيد الخارجي.
 

السيناريو الثالث هو “التحول الهجين” : نظام لا هو ديني صرف ولا دولة وطنية تقليدية، بل صيغة مركبة تتراجع فيها الشرعية الدينية لصالح شرعية أمنية-وطنية.
 

في هذا النموذج، تتقدم فكرة “إيران” كهوية جامعة فوق الأيديولوجيا، ويصبح الخطاب أكثر تركيزاً على القوة والسيادة والردع، بدل الشعارات العقائدية التقليدية. الحرب هنا تُسرّع التحول : عندما تضعف قدرة الخطاب الديني على التعبئة، تتقدم الدولة-الأمن، وعندما يتراجع تأثير المؤسسة الدينية، يملأ الفراغ منطق المؤسسة العسكرية.
 

هذا السيناريو هو الأكثر تعقيداً، وربما الأخطر على مستوى القراءة الخارجية، لأنه لا يعني سقوط النظام، بل إعادة تشكيله من الداخل. دولة أقل أيديولوجيا، وأكثر قومية وأمنية، وأكثر غموضاً في الوقت نفسه.
 

في النهاية، لا يبدو أن إيران تتجه نحو انهيار سريع، ولا نحو تهدئة قريبة. بل نحو مرحلة انتقالية طويلة، تختلط فيها إعادة بناء القوة مع إعادة تعريف السلطة نفسها، السؤال لم يعد من يحكم إيران؟، بل أصبح : أي إيران ستخرج من هذه الحرب؟ إيران تفاوض لتتنفس؟ أم إيران يحكمها منطق العسكر؟ أم إيران جديدة، أكثر قومية وغموضاً، تضع الدين في الواجهة وتترك القرار الحقيقي خلف الأبواب المغلقة للمؤسسة الأمنية؟





الاثنين 20 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic