بقلم : عدنان بنشقرون
من خلال المصادقة على مشروع مرسوم يؤطر الدعم المالي العمومي لفائدة المرشحين الذين لا يتجاوز عمرهم 35 سنة في الانتخابات التشريعية، تسعى الحكومة إلى رفع سقف طموح واضح : تسهيل وصول الشباب إلى مجلس النواب. إنها خطوة ذات حمولة سياسية قوية، رغم أن فعاليتها ستظل مرتبطة بطريقة تنزيلها على أرض الواقع.
الحكومة تحاول، عبر هذا النص، معالجة إشكال قديم يتجدد مع كل استحقاق انتخابي: الدخول إلى السياسة لا يعتمد فقط على الأفكار أو الكفاءة أو القدرة على الإقناع، بل أيضاً على الموارد، والشبكات، والإمكانيات التنظيمية، وهي عناصر يفتقر إليها غالباً المرشحون الشباب في بداياتهم.
لسنوات طويلة، ظل تجديد النخب السياسية عنواناً متكرراً في الخطاب الرسمي والحزبي. الحديث عن الشباب، عن الجيل الجديد، عن التناوب، أصبح جزءاً من اللغة السياسية المعتادة. لكن المسافة بين الخطاب والواقع ظلت واسعة، لأن السياسة الانتخابية ليست مجرد نوايا، بل هي أيضاً كلفة مالية وتنظيمية.
من هنا يأتي تدخل الحكومة، عبر محاولة إدخال عنصر مادي في معادلة طالما حُسمت لفائدة من يملك الإمكانيات. فالمشروع الجديد لا يكتفي بتشجيع الشباب، بل يسعى إلى مرافقتهم مالياً في الدوائر المحلية والجهوية على حد سواء.
والأهم من ذلك أن هذا الدعم لن يقتصر على مرشحي الأحزاب، بل سيشمل أيضاً المستقلين. وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني فتح المجال أمام منافسة أوسع، وتخفيف الاحتكار الذي تمارسه القنوات الحزبية التقليدية على ولوج المؤسسات المنتخبة.
لكن أهمية هذا الإجراء لا تكمن فقط في طابعه التقني، بل في رسالته السياسية. فالشباب، الذين طالما تم استحضارهم في الخطابات الرسمية كقوة تغيير ورافعة للتحديث، ما زال حضورهم داخل المؤسسات محدوداً مقارنة بحجم التوقعات.
بهذا المرسوم، تحاول الدولة الانتقال من خطاب “التشجيع الرمزي” إلى دعم فعلي ملموس. الرسالة واضحة : إذا كان الهدف هو تجديد النخب، فلا بد من توفير الحد الأدنى من شروط المنافسة داخل الحلبة الانتخابية.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة اعتبار هذا الإجراء حلاً شاملاً. فالعائق المالي مهم، لكنه ليس الوحيد. الشباب الطامحون لدخول السياسة يواجهون أيضاً تحديات أخرى : ضعف التموقع المحلي، محدودية الشبكات الاجتماعية، هيمنة الأعيان، إضافة إلى تراجع الثقة في العمل السياسي نفسه لدى جزء من الجيل الجديد.
بمعنى آخر، دعم التمويل يمكن أن يخفف من عدم تكافؤ الفرص عند البداية، لكنه لا يضمن النتائج، ولا يخلق تلقائياً جيلاً سياسياً جديداً. الخطر يكمن في الاعتقاد بأن إجراءً تقنياً يمكن أن يعالج أزمة أعمق تتعلق بالتمثيلية والثقة والممارسة الديمقراطية.
وكما هو الحال دائماً في السياسات العمومية، فإن التفاصيل هي الحاسمة. فنجاح هذا الورش مرهون بشروط الشفافية، وضبط المساطر، وضمان التوزيع العادل للدعم، حتى لا يتحول إلى أداة انتقائية أو موضوع للشكوك.
فالدعم العمومي للشباب لا يجب أن يبقى مجرد شعار إداري، بل ينبغي أن يكون قابلاً للتتبع والمراقبة والتبرير، حتى يُنظر إليه كأداة لتعزيز الديمقراطية، لا كواجهة سياسية.
ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يبدو أن الحكومة تسعى إلى توجيه رسالة سياسية واضحة : الشباب لم يعودوا مجرد احتياطي انتخابي أو صورة رمزية للتجديد، بل يُراد لهم أن يكونوا فاعلين داخل المنافسة السياسية نفسها.
ومع أن الرهان يبدو مهماً، إلا أن الطريق ما زال طويلاً بين النص القانوني ونتائج الصناديق. فهنا، فقط، سيتم اختبار ما إذا كان هذا التحول مجرد إعلان نوايا، أم بداية تغيير فعلي في قواعد اللعبة السياسية.
ولعل الأكيد اليوم هو أن الحديث عن تجديد الحياة السياسية لم يعد يقتصر على الخطاب، بل بدأ يمس فعلياً جوهر المعركة الانتخابية : المال.
الرئيسية















