كتاب الرأي

ردًّا على صديقي عبد الله بنسمعين : «أنت تقول يا صديقي… وأنا أرى أن…»


عزيزي عبد الله،



بقلم : عدنان بنشقرون

نصّك يستحق أن يُقرأ بجدية (النقل أو الإنتاج، الإبداع أو النسخ… الفكر الإنساني أمام اختبار الخوارزميات)، ليس لأنه يدين الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل لأنه يفرض طرح الأسئلة الصحيحة: ما معنى الكتابة في زمن الخوارزميات؟ ما معنى الإعلام حين تصبح الآلة قادرة على إنتاج النص والصورة والصوت والتلخيص والتركيب، وأحيانًا حتى الوهم؟ وما معنى نقل المعرفة حين تعاد صياغة الثقافة بأدوات تستطيع أن تُنتج أسرع مما نستطيع أن نقرأ أو نتحقق أو نرد؟

أود أن أجيبك باحترام، لكن دون تفادي الاختلاف. قلقك مفهوم ووجيه. إنه يمسّ الذاكرة، والصحافة، والمدرسة، والثقافة، ومسؤولية الكاتب، وهشاشة الواقع في عالم مشبع بالرموز. في كثير من النقاط أتفق معك: الذكاء الاصطناعي لا ينجز العمل الميداني، ولا يعوّض التحقيق، ولا يضمن الحقيقة، ولا يملك وعيًا تاريخيًا ولا مسؤولية أخلاقية. يمكنه إنتاج الخطأ بثقة، وتغذية الكسل الفكري، وإنتاج صحافة سطحية إذا استُعمل دون منهج.

لكنني لا أرى أنه يمكن اختزال الذكاء الاصطناعي في آلة استنساخ أو زيف أو تدهور. فذلك خلط بين الأداة وسوء استخدامها، وبين التقنية والتخلي البشري، وبين الإنتاج والتزوير. الذكاء الاصطناعي ليس مفكرًا، ولا صحفيًا، ولا كاتبًا بالمعنى الكامل. لكنه يمكن أن يكون أداة قوية حين يبقى تحت سلطة الوعي البشري والتمييز النقدي.

لذلك أرى أن النقاش يجب أن يُنقل إلى مستوى آخر. ليس السؤال فقط : هل يهدد الذكاء الاصطناعي الفكر الإنساني؟ بل: ماذا يتبقى من فكرنا حين نتوقف عن التحقق، وعن القراءة، وعن الشك، وعن تحمل المسؤولية؟

هنا تكمن الإشكالية الحقيقية.


سأحاورك إذن كصديق، نقطة نقطة، بصيغة بسيطة: “أنت تقول يا صديقي… وأنا أرى أن…” ليس لمواجهة يقين بيقين، بل لفتح نقاش ضروري بين وفاءين: وفاؤك المرتبط بالذاكرة ونقل المعرفة، ووفائي الذي يرى أن الابتكار ليس خيانة، بشرط أن يخضع لقاعدة قديمة قدم الفكر والصحافة: المسؤولية عمّا نقول.


حول النقل والإنتاج


أنت تقول يا صديقي إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقطع مع تقاليد نقل الثقافة، ويستبدل ذاكرة تراكمت عبر الكتب والأساتذة والصحف بآلة تنتج دون جذور أو سياق، وأنا أرى أن هذا التمييز بين “النقل” و“الإنتاج” مثير فكريًا، لكنه يقدّم ثنائية مبسطة أكثر مما ينبغي. فالثقافة الإنسانية لم تكن يومًا نقلًا خالصًا. كل جيل أعاد تفسير وإعادة صياغة ما قبله. الناسخ، والمترجم، والصحفي، والأستاذ، والمحرر، كلهم وسائط تُحوّل ما تنقله.


الذكاء الاصطناعي لا يظهر في فراغ تاريخي بريء. بل في سلسلة طويلة من التحولات التقنية: الطباعة، الراديو، التلفزيون، الإنترنت. وفي كل مرة كان الخوف حاضرًا، لكن الإلغاء الكامل للفكر لم يحدث.


الجديد اليوم هو السرعة والحجم وإعادة التركيب. وهذا يفرض الضبط، لا الرفض المطلق. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشرح، يلخص، يترجم، يقارن، ويجعل المعرفة في متناول من كان بعيدًا عنها. وهذا ليس أمرًا بسيطًا.


السؤال إذن ليس : هل ينتج أو لا ينتج؟ بل : تحت أي شروط يصبح الإنتاج مسؤولًا؟


حول الذاكرة الرقمية


أنت تقول يا صديقي إن الذاكرة الرقمية قد تحل محل الذاكرة التاريخية وتخلق واقعًا مضللًا،وأنا أرى أن هذا القلق مشروع، لأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلط بين الحقائق ويصنع نصوصًا تبدو صحيحة لكنها غير موثقة. لكن في المقابل، الرقمنة أنقذت أرشيفات وأتاحت مكتبات ووسّعت الوصول إلى مصادر كانت محصورة.
 

المشكلة ليست في الرقمي بحد ذاته، بل في غياب التوثيق والمصدر والسياق. ذاكرة بلا جذور تتحول إلى وهم. أما ذاكرة موثقة فهي امتداد للتاريخ وليس بديلًا عنه.


حول الثقافة والإلغاء

أنت تقول يا صديقي إن هناك خطرًا من تذويب التراث عبر التعديل والاختزال والإلغاء، وأنا أرى أن علينا التمييز بين التكييف والتزوير. التكييف جزء من تاريخ الثقافة نفسها. الخطر يبدأ حين يُقدَّم التعديل كأنه أصل، وحين تُمحى الإشارة إلى المصدر.


حول المفكرين والمدارس الفكرية


أنت تقول يا صديقي إن الذكاء الاصطناعي يهدد المدارس الفكرية والمفكرين الكبار، وأنا أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يعيش التجربة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار. يمكنه شرح ماركس، لكنه لا يستطيع عيش القرن التاسع عشر الصناعي. يمكنه تلخيص فرويد، لكنه لا يستطيع اختراع التحليل النفسي في سياقه.


لكن الخطر الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي، بل في الاكتفاء بالملخصات بدل العودة إلى النصوص الأصلية.


حول الصحافة


أنت تقول يا صديقي إن الذكاء الاصطناعي يهدد الصحافة عبر الإنتاج السريع والسطحي، وأنا أرى أن الذكاء الاصطناعي لا يقوم بالتحقيق. لا يذهب إلى الميدان، ولا يتحقق من الشهادات، ولا يحمي المصادر. لكنه يمكن أن يساعد في التنظيم والتحليل والترجمة وتفكيك الوثائق.

الصحافة الحقيقية تبدأ حين يعود الإنسان إلى الواقع، ويقارن ويحقق ويقرر النشر.


حول الإعلام الرقمي


أنت ترى أن بعض النماذج الإعلامية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تمثل إنتاجًا ضخمًا بلا عمق،وأنا أرى أن الكم ليس دليلًا على الفقر الفكري بالضرورة، بل إن السؤال هو: ما هي منهجية التحرير؟ وما هي مصادر المعلومة؟ وما هي مسؤولية النشر؟


حول الفكر الإنساني


أنت تقول يا صديقي إن الخطر الحقيقي هو أن نتوقف عن التفكير بأنفسنا، وأنا أرى أن هذا هو جوهر القضية. الذكاء الاصطناعي قد يسهّل الإجابة، لكنه لا يجب أن يلغي السؤال. قد يقدّم نصًا، لكنه لا يجب أن يلغي التفكير.


الخطر ليس في الآلة، بل في الاستسلام لها.


ختامًا


أنت محق يا صديقي حين تذكّر بأن الواقع لا يُنتج، بل يُعاش ويُتحقق منه. وأنت محق في الدفاع عن الصحافة كفعل مسؤول. لكنني أرى أن الذكاء الاصطناعي ليس نهاية الفكر، بل اختبار له.


المسألة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يتخلى عن تفكيره وإنسان يستخدم الأداة دون أن يفقد حكمه النقدي، وأظن أن هذا النقاش، في حد ذاته، دليل على أن الفكر لم يمت بعد، بل أصبح مضطرًا إلى أن يشرح نفسه من جديد في زمن جديد.

 





الثلاثاء 5 مايو 2026

في نفس الركن
< >

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic