المعطى الأول الثابت معروف. فقد وافقت الولايات المتحدة وإيران على هدنة لمدة أسبوعين، بوساطة باكستانية، في سياق توتر شديد حول مضيق هرمز وبعد أسابيع من مواجهة عسكرية مباشرة. ترامب قدّم هذه الاستراحة كنتاج ميزان قوى لصالح واشنطن، مؤكداً أن الأهداف الأمريكية تحققت. لكن في الوقت نفسه، أفادت وكالة رويترز أن هذه الهدنة تبقى مشروطة بعناصر ثقيلة، من بينها حرية الملاحة عبر هرمز وفتح مفاوضات في إسلام آباد. نحن إذن لسنا أمام اتفاق سلام، بل أمام تعليق مسلح، هش، ومشروط، وتكتيكي.
المعطى الثاني، الأكثر التباساً، يتعلق بهذه الخطة ذات النقاط العشر. فقد تداولت وسائل الإعلام فكرة عرض إيراني مفصل، يتضمن ضمانات لعدم الاعتداء، وتعويضات، ورفع العقوبات، والاعتراف ببعض الحقوق الإيرانية، إلى جانب بنود أخرى قد تكون شديدة الحساسية تتعلق بالنووي وبنية الأمن الإقليمي. غير أن رويترز، التي تؤكد وجود شروط مسبقة إيرانية لسلام دائم، تبقى أكثر حذراً بخصوص المحتوى الكامل. وهذا يعني أمراً بسيطاً: “الخطة” موجودة، لكن حضورها العلني لا يزال جزئياً. يُتحدث عنها كثيراً، تُقتبس في كل مكان، لكن لا أحد يستطيع حتى الآن تقديم نسخة مرجعية لا جدال فيها.
بعبارة أخرى، نحن أمام نص سياسي بلا صيغة مستقرة. وهذا ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو في حد ذاته منهج. في مثل هذه اللحظات، لا ينشر كل طرف وثيقة بقدر ما ينشر ميزان قوى في شكل سرد. إيران لها مصلحة في إظهار مطالب مرتفعة لتحويل هدنة عسكرية إلى مكسب دبلوماسي. وترامب يحتاج إلى إقناع جمهوره بأنه لم يتراجع بل فرض التفاوض. أما باكستان، الوسيط غير المتوقع لكنه أصبح محورياً، فلها مصلحة في إبراز دورها الإقليمي. في هذا السياق، لا يكون النص مجرد أداة تفاوض، بل يصبح أيضاً أداة تواصل واختبار وضغط نفسي.
لذلك، لا ينبغي قراءة هذا الغموض كضعف في العملية، بل كجزء من بنيتها. عندما يتحدث ترامب عن خطة “مهمة” دون كشف تفاصيلها، فهو يترك كل الاحتمالات مفتوحة. وعندما تسمح القنوات الإيرانية بتسريب نقاط أكثر طموحاً، فهي تختبر الخطوط الحمراء الأمريكية وتخاطب جمهورها الداخلي. وعندما توحي واشنطن بأن القضايا الحساسة في طريقها إلى الحل دون تقديم نص واضح، فهي تحاول تثبيت رواية مفادها أن التهدئة تُدار من طرفها. الدبلوماسية اليوم لا تتقدم فقط عبر نصوص موقعة، بل أيضاً عبر نسخ متعددة، وتسريبات، وغموض مقصود.
غير أن هذا الضباب يخفي فراغات استراتيجية كبيرة. أولها إسرائيل، إذ تشير رويترز إلى أن الهدنة الأمريكية الإيرانية لا تشمل لبنان، حيث تستمر العمليات. أي أن التهدئة، حتى لو حصلت، تبقى جزئية. الفراغ الثاني يتعلق بالملف النووي. ترامب يقول إن مسألة اليورانيوم “ستُعالج بشكل كامل”، دون توضيح الكيفية أو آليات الرقابة. أما الفراغ الثالث فيتعلق بالعقوبات، التي تبقى من أعقد الملفات، سواء من حيث رفعها أو ترتيبها الزمني أو إمكانية العودة إليها.
في النهاية، لم يعد السؤال هل هناك خطة. نعم، هناك خطة. لكن السؤال الحقيقي: أي خطة، بأي صيغة، ولأي هدف؟ ما لم يُعرض نص واضح ومشترك، سيبقى هذا “المخطط” مجرد مساحة تأويل، يرى فيها كل طرف ما يناسبه: اختراقاً، مناورة، مخرجاً مشرفاً، أو حتى فخاً دبلوماسياً. ولهذا، فإن الشك ليس موقفاً سلبياً، بل ضرورة منهجية. ففي هذه الحالة، الضباب ليس حول المفاوضات، بل هو جزء منها
الرئيسية















