كتاب الرأي

حوار متخيَّل مع إدغار موران : «الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ثورة تكنولوجية، بل هو اختبار حضاري»


هذا الحوار هو عمل تخييلي فكري مستلهم من فكر إدغار موران وكتاباته ومواقفه العلنية، وقد تم تصور الأجوبة بروح مشروعه الفكري.



بقلم : عدنان بنشقرون

السؤال 1 : سيد موران، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي مجرد ابتكار من بين ابتكارات عديدة، بينما يعتبره آخرون تحولا حضاريا كاملا. أين تضع نفسك؟


أعتقد أننا نعيش مرحلة شبيهة باختراع الكتابة أو الطباعة أو الثورة الصناعية، لكن مع فرق جوهري: هذه المرة لا يتغير محيطنا المادي فقط، بل يتغير علاقتنا نفسها بالمعرفة.


فمنذ آلاف السنين، كان الإنسان هو المنتج الأساسي للأفكار والسرديات والحسابات والتأويلات. أما اليوم، فقد تم تفويض جزء من هذا النشاط الفكري إلى أنظمة اصطناعية.


لسنا إذن أمام تقدم تقني بسيط، بل أمام تحول أنثروبولوجي عميق.


السؤال 2 : كثيرون يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي. هل هذا المصطلح دقيق في نظرك؟


الكلمات غالبا ما تكون فخاخا، حين نقول "ذكاء اصطناعي"، نُوحي بأن الذكاء البشري قد تم نسخه. لكن الذكاء البشري مرتبط بالتجربة المعيشة، بالشك، بالحب، بالألم، بالذاكرة الشخصية وبالوعي بالموت.


الآلة تحسب بكفاءة عالية، أما الإنسان فهو يوجد ويعيش،والخلط بين الاثنين يشكل خطرا فكريا حقيقيا.


السؤال 3  : هل ترى في الذكاء الاصطناعي تهديدا؟


كل اختراع بشري يحمل في داخله نقيضه، النار تدفئ وتحرق، الطاقة النووية تنير وتدمّر، الذكاء الاصطناعي يعزز قدراتنا، لكنه قد يقلص في الوقت نفسه من استقلاليتنا.


السؤال الحقيقي ليس تقنيا، بل سياسي واقتصادي وأخلاقي، من يسيطر على هذه الأنظمة؟ولخدمة أي مصالح؟وبأي أهداف؟


السؤال 4 : بعض الباحثين يتحدثون عن اقتراب ذكاء اصطناعي عام يتفوق على الإنسان. هل يقلقك ذلك؟


ما يقلقني أكثر ليس ذكاء الآلات، بل غياب حكمة البشر، التاريخ لا يُظهر أن أزماتنا ناتجة عن نقص في الذكاء، بل عن نقص في الوعي.


نحن نعرف كيف نصنع أسلحة قادرة على تدمير الكوكب، ونعرف كيف نُخلّ بالتوازن المناخي، ونعرف كيف نُوجّه الرأي العام، المشكلة ليست في ما ستصبح عليه الآلات، بل في ما سنبقى عليه نحن.


السؤال 5 : لقد طورتَ مفهوم "الفكر المركب". هل يعزز الذكاء الاصطناعي هذا التعقيد؟


بشكل متناقض، يمكنه أن يفعل الأمرين،يمكنه أن يساعد على ربط المعارف المتفرقة،لكنه يمكن أيضا أن يعزز وهم أن كل شيء قابل للحساب.


لكن الحياة تفلت دائما من التبسيط،المجتمع ليس خوارزمية،والثقافة ليست قاعدة بيانات،والإنسان ليس رقما إحصائيا، التعقيد يبدأ حيث تنتهي قدرة النماذج على الفهم الكامل.


السؤال 6 : هناك من يتحدث عن نهاية العمل البشري.


أنا أتحفظ على النبوءات،كل ثورة تقنية قضت على مهن وخلقت أخرى، لكن السؤال الأهم مختلف : ماذا سيفعل الإنسان بالوقت الذي سيوفره؟


هل سيزيد الاستهلاك؟أم الترفيه؟أم التعلم؟المستقبل سيتحدد ليس بالآلات، بل بمشروعنا الجماعي.


السؤال 7 : هل المدرسة مستعدة؟


قطعا لا.

المدرسة في العالم كله تعاني من مرض قديم: تجزئة المعرفة،نُدرّس مواد منفصلة بينما المشكلات الحقيقية مترابطة،الذكاء الاصطناعي سيجعل هذا الضعف أكثر وضوحا.


لماذا نحفظ معلومات يمكن للآلات امتلاكها؟على المدرسة أن تُعلّم ما لا تتقنه الآلات:التمييز،النقد،الإبداع،الأخلاق، فهم الحياة.


السؤال 8 : هناك من يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى دين جديد

 
الإنسان دائما يصنع أصنامه، في الماضي الآلهة، ثم الإيديولوجيات، ثم الأسواق، واليوم ربما التكنولوجيا، كل عصر يصنع مطلقاته.


والخطر يبدأ حين نتوقف عن مساءلة هذه المطلقات، الإيمان بالتكنولوجيا قد يتحول إلى شكل جديد من العمى.


السؤال 9 : هل نحن أمام ولادة حضارة جديدة؟


ربما،لكن الحضارة ليست أدوات فقط، الحضارة هي طريقة في العيش داخل العالم.


إذا ساعدنا الذكاء الاصطناعي على فهم أفضل للكوكب وتقليص المعاناة وتعزيز التعاون، فسيكون جزءا من نهضة.


أما إذا عمّق اللامساواة والمراقبة والاعتماد، فسيُسرّع أزماتنا،المستقبل غير محسوم.


السؤال 10 : ما الرسالة التي توجهها إلى الأجيال الجديدة؟


لا تدعوا الآلات تفكر بدلا عنكم،استخدموها،تعلموا منها، واشتغلوا معها.


لكن حافظوا دائما على قدرتكم على الشك، فالشك ليس ضعفا، بل هو شرط الحرية.


أكبر خطر في هذا القرن ليس الذكاء الاصطناعي، بل التخلي عن الذكاء الإنساني.


السؤال الأخير: كيف تُعرّف تحدي القرن الحادي والعشرين في جملة واحدة؟


أقول: «لقد أصبحت الإنسانية تمتلك تقنيات قادرة على تحويل العالم، لكن السؤال الحاسم هو: هل ستنجح في تحويل نفسها؟»

وهنا، ربما، تبدأ المغامرة الإنسانية الحقيقية





الاثنين 1 يونيو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic