كتاب الرأي

حرب إيران‑الولايات المتحدة‑إسرائيل : ما الذي سيتعين على المغرب عمله فعليا ؟

بصراحة، كان من الصعب تخيل أسوأ سيناريو لحكومة في نهاية ولايتها، على بعد أشهر من الانتخابات التشريعية في سبتمبر 2026


في المغرب، لم يعد النقاش الحقيقي يقتصر على من سيضرب من، أو أي بيان عسكري سيسيطر على معركة الروايات. السؤال الجوهري أصبح أكثر واقعية وأكثر صرامة : ماذا سيتعين على الحكومة المغربية فعله في مواجهة حرب لا تتحكم فيها، لكنها بدأت بالفعل تؤثر على حساباتها؟ فالآثار لم تعد نظرية، بل تظهر على محطات الوقود، في تكاليف النقل، في توقعات الأسواق، وفي نهاية المطاف في خيارات الميزانية.



الحكومة  أرسلت  إشعارًا واضحًا منذ البداية من خلال فتح طلبات الدعم الاستثنائي للمهنيين في النقل البري اعتبارًا من 20 مارس 2026، مبررة ذلك بالارتفاع الكبير في أسعار النفط على الأسواق الدولية وتأثيره الوطني على المحروقات. الحرب بعيدة، لكن صدى تداعياتها وصل بالفعل.
 

هذا التحرك الأول يكشف الكثير. فهو يدل على إدراك الحكومة المغربية أن الصدمة لن تكون مجرد مسألة دبلوماسية أو نفسية، بل جيواقتصادية بامتياز. في مثل هذه الأزمة، لا تحكم الدولة المستوردة للطاقة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، بل تواجه ثلاثة قيود أكثر صرامة: حماية القدرة الشرائية، تجنب دوامة تضخمية، ومنع الميزانية العامة من التحول إلى صندوق دعم بلا حدود.
 

ولكن هذه الأهداف الثلاثة تتصادم سريعًا. دعم النقل يخفف الضغط على السلسلة اللوجستية ويحد من انتقال ارتفاع الأسعار، لكنه مكلف. وإذا استمرت الأزمة، يمكن أن يتحول الدعم المستهدف اليوم إلى ضغط اجتماعي واسع غدًا. هذا هو بالضبط نوع التوازن الذي سيتعين على الحكومة المحافظة عليه في الأسابيع المقبلة.
 

وقد أصدر بنك المغرب، في بيانه الصادر في 17 مارس، تشخيصًا واضحًا : تداعيات هذه الحرب، التي بدأت تظهر على الأسواق المالية وأسعار السلع الأساسية، خصوصًا الطاقة، ستعتمد بدرجة كبيرة على طول الأزمة، ومدى انتشارها، وشدتها.
 

بالنسبة للمغرب، يكون التأثير الأكثر وضوحًا عبر الحسابات الخارجية، ولا سيما قطاع الطاقة. ويضيف البنك ملاحظة مهمة : التأثير سيكون "محدودًا نسبيًا" إذا اقتصر الصراع على مدة قصيرة، لكنه قد يصبح أكبر في سيناريو أطول. هذه الجملة هي المفتاح لفهم موقف الدولة المغربية، إذ توضح أن لا أحد في الرباط يعتقد إمكانية ضبط مسار الأزمة على المدى الطويل، وهو ما يفرض إدارة حكومية حذرة.
 

كم ستستمر الحرب؟ الإجابة الصادقة الوحيدة هي : لا أحد يعرف، ويجب رفض التنبؤات السهلة. فقد أظهرت تجارب النزاعات الأخيرة مدى خطأ التقديرات العسكرية السريعة أمام الواقع السياسي واللوجستي والنفسي.
 

نعم، البيت الأبيض يواصل التأكيد على إمكانية انتهاء الحرب "في أسابيع لا أشهر"، لكن هذا الكلام ينبغي فهمه في سياقه السياسي، وليس كتحليل أكاديمي. وفي الوقت نفسه، ترسل أسواق النفط رسالة مختلفة تمامًا. تجاوز سعر برنت 115 دولارًا للبرميل في 19 مارس بعد سلسلة الهجمات على منشآت الطاقة في الشرق الأوسط، مما يعكس توقعات تأثير طويل الأمد على المخاطر الإقليمية.
 

المشكلة الأساسية تكمن في مضيق هرمز، حيث يمر نحو خمس النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال. وتفيد وكالة رويترز أن إيران تفكر في فرض رسوم عبور على السفن، كوسيلة لتحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة ضغط اقتصادي وسياسي. حتى من دون إغلاق كامل، فإن أي تدهور مستمر في انسياب المرور البحري يكفي لرفع التكاليف، وتأمين التأمين، وتأخير الشحنات، وبالتالي ارتفاع الأسعار.
 

بمعنى آخر، يمكن أن تبقى الحرب مجزأة عسكريًا لكنها تُحدث تأثيرًا اقتصاديًا مستمرًا. وهذا ما يجب أن يركز عليه المغرب : ليس مجرد خريطة الضربات، بل آلية تدفق الموارد. الاقتصاد المغربي يمكنه امتصاص صدمة قصيرة، لكنه يتأثر أكثر بضغط متوسط ومستمر.
 

من المرجح أن تتبع الحكومة المغربية استراتيجية من أربعة مستويات :
 

أولًا، دعم مستهدف مثل دعم النقل لتفادي انتقال ارتفاع الوقود إلى كل الأسعار. ثانيًا، مراقبة دقيقة للمخزونات، وسلاسل الإمداد، واللوجستيات الوطنية. ثالثًا، تنسيق حذر مع بنك المغرب لتجنب تحول الصدمة المستوردة إلى تضخم عام. وأخيرًا، دبلوماسية ضبط النفس : عدم استيراد الانقسام الجيوسياسي إلى الداخل، والتركيز على المرونة الاقتصادية.
 

لكن يجب أن نكون واقعيين : هامش المناورة محدود. إذا استمر الصراع لأكثر من بضعة أسابيع، ستضطر الحكومة إلى اتخاذ خيارات صعبة. دعم أكبر؟ مفيد اجتماعيًا لكنه مكلف ماليًا. ترك الأسعار ترتفع؟ سليم اقتصاديًا لكنه محفوف بالمخاطر سياسيًا. تخفيض الضرائب؟ ممكن، لكنه يقلل موارد المالية العامة.
 

يدخل المغرب بذلك في منطقة رمادية، حيث كل قرار له ثمن : في الميزانية، أو النمو، أو السلام الاجتماعي. لذلك، السؤال الحقيقي ليس فقط "كم ستستمر الحرب؟"، بل "إلى متى يمكن للحكومة المغربية امتصاص آثارها دون تغيير سياساتها؟". وهذا السؤال ما زال مفتوحًا بالكامل.
 

في العمق، الدرس بسيط. فهذه الحرب قد تنتهي سريعًا على مستوى العمليات المرئية، لكنها قد تستمر طويلًا في تداعياتها الاقتصادية. أما المغرب، فقد دخل بالفعل في معركته الخاصة : معركة الأسعار، والقرارات العامة، واستقرار المجتمع.
 

ليست معركة مذهلة بصريًا، لكن كثيرًا ما تتحول الأزمات الخارجية بهدوء إلى اختبارات للحوكمة الداخلية.
 

بصراحة، كان من الصعب تخيل أسوأ سيناريو للحكومة في نهاية ولايتها، على بعد أشهر من الانتخابات التشريعية. فمثل هذا النوع من الأزمات مخيف سياسيًا : لا يمنح أي نصر واضح يمكن المطالبة به، ولا خصم داخلي سهل التحديد، لكنه يفرض حمل عبء ارتفاع الأسعار بمفرده، والذي يربطه الرأي العام دائمًا بالسلطة القائمة.
 

في مثل هذه المرحلة، يصبح كل لتر من الوقود حجة انتخابية، وتبدو كل مساعدة عامة غير كافية، وتبدو كل حذر مالي وكأنه لا مبالاة، وكل خطوة دعم تعرض في المقابل للاتهام بالارتجال.
 

الأكثر قسوة على السلطة التنفيذية هو بلا شك : أن يُحكم عليها ليس بأصل الأزمة التي تفلت من سيطرتها، بل بتداعياتها الملموسة في حياة المغاربة اليومية.
 

مع اقتراب انتخابات حاسمة، يمكن لحرب بعيدة أن تتحول إلى استفتاء داخلي حول تكلفة المعيشة، وسلطة الدولة، ومصداقية الخطاب العام. بالنسبة للحكومة في نهاية ولايتها، هذا هو السيناريو الأكثر مرارة : الاضطرار لإدارة الطوارئ، وامتصاص الغضب، وطمأنة الأسواق، وحماية الفئات الأكثر عرضة، مع العلم أنه في صناديق الاقتراع، سيركز الناخبون أقل على الأسباب الجيوسياسية للصدمة، وأكثر على الأسعار المعروضة في محطات الوقود وفي سلتهم.





الخميس 26 مارس 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic