أخبار بلا حدود

حرب أوكرانيا.. هل اشترى الاتحاد الأوروبي فعلاً محروقات روسية بـ320 مليار دولار؟


منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، شكلت واردات الطاقة الروسية إلى أوروبا أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، في ظل العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو ومحاولاته تقليص الاعتماد على المحروقات الروسية. وفي هذا السياق، برز رقم لافت يتحدث عن إنفاق أوروبي بلغ نحو 320 مليار دولار على شراء المحروقات الروسية منذ بداية الحرب، وهو رقم يثير تساؤلات حول مدى دقته والطريقة التي جرى اعتمادها لاحتسابه.



ويكتسي هذا الرقم أهمية سياسية واقتصادية كبيرة، لأنه يوحي بأن أوروبا واصلت، رغم العقوبات، ضخ مبالغ ضخمة في الاقتصاد الروسي مقابل الحصول على النفط والغاز ومصادر الطاقة الأخرى. غير أن قراءة الرقم بمعزل عن منهجية احتسابه قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة، خصوصاً في ظل التغيرات التي طرأت على طبيعة التجارة الأوروبية الروسية منذ عام 2022.

فبعد اندلاع الحرب، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض مجموعة واسعة من العقوبات على روسيا، شملت قطاعات حيوية، من بينها الطاقة. كما عملت الدول الأوروبية على تنويع مصادر إمداداتها، وتقليص اعتمادها على الغاز والنفط الروسيين، والبحث عن بدائل في الأسواق العالمية.

غير أن هذه العملية لم تكن فورية، إذ استمرت بعض أشكال التجارة في الطاقة خلال الفترة الانتقالية، كما اختلفت القيود المفروضة بحسب نوع المحروقات وطريقة نقلها والأسواق المعنية. ولذلك فإن جمع قيمة جميع المشتريات الأوروبية من مصادر الطاقة الروسية خلال فترة زمنية طويلة قد يعطي رقماً مرتفعاً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المبلغ يمثل مشتريات تمت بالطريقة نفسها أو في ظل الظروف التجارية ذاتها.

وتبرز هنا أهمية منهجية احتساب رقم 320 مليار دولار. فالتقديرات المتعلقة بقيمة تجارة الطاقة تعتمد عادة على مجموعة من المعطيات، من بينها حجم الواردات والأسعار العالمية وأسعار العقود وفترات القياس، فضلاً عن تحديد المنتجات التي تدخل ضمن تعريف «المحروقات الروسية».

كما أن تغير أسعار النفط والغاز بصورة حادة منذ بداية الحرب يجعل مقارنة القيمة المالية للمشتريات بين مختلف السنوات أمراً معقداً. فقد ارتفعت الأسعار بشكل كبير خلال مراحل معينة من الحرب، قبل أن تعرف لاحقاً مستويات مختلفة، وهو ما يؤثر مباشرة في القيمة الإجمالية للواردات حتى في حال تراجع الكميات.

وتزداد الصورة تعقيداً مع انتقال جزء من التجارة العالمية للطاقة إلى مسارات جديدة، وظهور وسطاء وأسواق إعادة تصدير، الأمر الذي يجعل تحديد الوجهة النهائية لبعض المنتجات النفطية أكثر صعوبة. وبالتالي، فإن الوصول إلى رقم دقيق يتطلب التمييز بين بلد المنشأ، وبلد الاستيراد، والوجهة النهائية للمنتج.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الاتحاد الأوروبي قد أنفق مبالغ ضخمة على الطاقة الروسية، وهو أمر لا يمكن فهمه دون النظر إلى تطورات التجارة والعقوبات منذ 2022، وإنما يتعلق أيضاً بما إذا كان رقم 320 مليار دولار يعكس بدقة الفترة المقصودة، وأنواع المنتجات المحتسبة، والأسعار والكميات التي اعتمدت عليها عملية التقدير.

وتكشف هذه القضية، في نهاية المطاف، عن صعوبة قراءة الأرقام المرتبطة بالحرب والعقوبات والتجارة الدولية بمعزل عن مصادرها ومنهجياتها. فالرقم الكبير قد يكون صحيحاً من الناحية الحسابية وفق طريقة معينة للاحتساب، لكنه قد يصبح مضللاً إذا استُخدم للإيحاء بمعنى أوسع مما تسمح به البيانات.

وبينما تواصل أوروبا إعادة تشكيل سياستها الطاقية وتقليص ارتباطها بمصادر الطاقة الروسية، يبقى تدقيق الأرقام وفهم سياقها أمراً أساسياً لفهم حقيقة العلاقات الاقتصادية التي استمرت بين الطرفين بعد اندلاع الحرب، بعيداً عن التقديرات المبسطة أو القراءات السياسية الجاهزة.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاربعاء 14 أكتوبر 2026

              

مختصرات آخر الأخبار | أخبار بلا حدود | لاست رييل


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ





















Buy cheap website traffic