بقلم : عدنان بنشقرون
تؤكد الأرقام المتعلقة بالاستخدامات الرقمية هذا الواقع بوضوح، حيث تظهر معطيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات أن استعمال الشبكات الاجتماعية أصبح شبه معمم بين المستخدمين، خصوصاً لدى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة، حيث لم تعد هذه الوسائل مجرد ترفيه، بل أضحت فضاء للحياة والتفاعل والاستهلاك الإعلامي وبناء الهوية، وأحياناً لتشكيل المسار المهني.
وتفيد بيانات أخرى أن المغرب سجل مع بداية 2025 نحو 21.3 مليون حساب على فيسبوك، و13.1 مليوناً على إنستغرام، و14.6 مليوناً على تيك توك، و21.1 مليوناً على يوتيوب. أي أن الشباب المغربي حاضر بكثافة، مرصود، متابع، ومستثمر فيه رقمياً.
غير أن هذا الحضور الرقمي لا يتحول تلقائياً إلى حضور سياسي. بل يبدو أن العكس هو ما يحدث. فحسب استطلاع أجري مطلع 2026، صرح نحو 24 في المائة من المغاربة بأنهم لا ينوون التصويت في الانتخابات المقبلة، مع نسب عزوف أعلى لدى الشباب ما بين 18 و34 سنة.
والأكثر دلالة أن 53 في المائة ممن يرفضون التصويت يرجعون ذلك إلى فقدان الثقة في الأحزاب، بينما يقر 10 في المائة بأنهم غير مسجلين أصلاً. وهذا يبين أن الإشكال ليس مجرد لامبالاة، بل مزيج من الشك والانفصال عن المسار المؤسساتي.
لا يمكن اختزال هذا الوضع في صورة جيل كسول أو منغمس في الشاشات. فهذه قراءة سهلة تخفي عجزاً أعمق لدى الفاعل السياسي عن مراجعة نفسه. في الحقيقة، لا يغيب هذا الجيل عن النقاش العام، بل أعاد تموضعه خارج أشكاله التقليدية.
يعبر هؤلاء الشباب عن مواقفهم من خلال التعليقات، والفيديوهات القصيرة، والثقافة الرقمية، والمجتمعات الافتراضية، والنقاشات المتسارعة. إنهم سريعو التفاعل، قادرون على كشف التناقضات، وتفكيك الخطابات، ومقارنة الوعود، دون أن يمنحوا ثقة تلقائية للبنى الحزبية.
إنه جيل لا يفتقر إلى الوعي السياسي، بل لم يعد يرى السياسة في الأماكن التي تصر المؤسسات على حصرها فيها. وتؤكد دراسات مختلفة أن أسباب العزوف تتراوح بين ضعف الاهتمام، وضيق الوقت، وغياب جاذبية العملية الانتخابية.
في الجوهر، نحن أمام فجوة بنيوية، فهذا الجيل نشأ في بيئة تتسم بالسرعة والمقارنة الدائمة والشك في الروايات الرسمية، بينما يجد أمامه عرضاً سياسياً بطيئاً، عمودياً، وفي بعض الأحيان مستهلكاً.
بين شباب يستهلك المعلومة في تدفق مستمر، وأحزاب تتحدث كأن الثقة مسلمة، يتحول سوء الفهم إلى حالة مستقرة. فالشباب لا يبحث فقط عن الحضور، بل عن الجدوى والمصداقية والأثر الملموس.
ويتعزز هذا الوضع بعوامل اجتماعية مهمة، حيث يرتبط الموقف من التصويت بتصور المستقبل. في سياق يتسم بهشاشة فرص الشغل والتكوين، تفقد الوعود الانتخابية جزءاً كبيراً من وزنها. فالسؤال الذي يطرحه كثير من الشباب هو: ما الجدوى من الانخراط في مسار مؤسساتي إذا كان الأثر على الحياة اليومية ضعيفاً؟
الأكثر قلقاً أن بعض الأحزاب تبدو كأنها تأقلمت مع هذا الانسحاب. وفي ذلك إشارة خطيرة لديمقراطية تفقد شبابها قبل حتى مرحلة التسجيل. فعندما تفقد الفئة الأكثر اتصالاً قناعتها بجدوى التصويت، يتحول الخطر من مجرد عزوف إلى نمط جديد من المواطنة المتقطعة والظرفية.
مع اقتراب استحقاقات شتنبر، السؤال الذي يطرح ليس ما إذا كان جيل Z مهتماً بالسياسة، بل ما إذا كانت السياسة بصيغتها الحالية تستحق ثقة هذا الجيل، فهذه الفئة لا تفتقر إلى الأدوات أو الصوت أو الطاقة، بل تفتقر إلى القناعة بأن المشاركة تحدث فرقاً حقيقياً.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية : جيل مطلع، متصل، وحاضر بقوة، لكنه لم يقتنع بعد بجدوى الديمقراطية الانتخابية كما تقدم له اليوم.
الرئيسية















