وبحسب معطيات التقرير، فقد بلغ رقم معاملات الصناعات الثقافية والإبداعية حوالي 43 مليار درهم خلال سنة 2023، وهو رقم يعكس حركية اقتصادية لافتة وتنامياً واضحاً في الطلب على المنتجات والخدمات المرتبطة بالإبداع، سواء داخل السوق الوطنية أو على المستوى الدولي، حيث يزداد الاهتمام بالمنتوج الثقافي المغربي بما يحمله من خصوصية وتنوع.
كما يبرز التقرير أن مساهمة هذا القطاع في الناتج الداخلي الخام وصلت إلى 2,4% سنة 2022، وهي نسبة قد تبدو متوسطة من حيث الشكل، لكنها تحمل دلالة قوية عند مقارنتها بقطاعات تقليدية راسخة مثل الصناعات الاستخراجية والنقل واللوجستيك، ما يعكس انتقال الثقافة من مجرد مجال رمزي إلى فاعل اقتصادي له وزنه داخل المنظومة الوطنية.
وشهد القطاع خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2023 نمواً سنوياً قوياً بلغ 18%، وهو معدل يعكس تسارعاً غير مسبوق في أداء الصناعات الإبداعية. ويُعزى هذا النمو إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انتعاش الطلب الداخلي على الخدمات الثقافية، وعودة النشاط الاقتصادي بعد تداعيات جائحة كوفيد-19، إضافة إلى تزايد الإقبال الدولي على المنتجات الإبداعية المغربية، خاصة تلك التي تجمع بين الأصالة والبعد المعاصر.
ولا يقتصر أثر هذا النمو على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل يمتد ليشمل سوق الشغل بشكل مباشر، حيث أسهم القطاع في خلق أكثر من 116 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، أي ما يقارب 1% من الساكنة النشيطة. ويكشف هذا المعطى عن قدرة هذا المجال على استيعاب اليد العاملة، خاصة من فئات الشباب، مقارنة بقطاعات تقليدية أخرى، مما يمنحه بعداً اجتماعياً لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي.
ومن زاوية النوع الاجتماعي، يبرز التقرير أن النساء يشكلن حوالي 34% من إجمالي العاملين في هذا القطاع، وهي نسبة تعكس انفتاح الصناعات الإبداعية على مشاركة أوسع للمرأة في سوق العمل، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالتصميم، والفنون، والصناعات الرقمية، والإنتاج الثقافي، وهو ما يعزز دينامية الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
أما من حيث البنية القطاعية، فتتصدر الحرف والصناعات الفنية المشهد بنسبة 43% من رقم المعاملات الإجمالي، ما يعكس المكانة المركزية للتراث الحرفي المغربي باعتباره مورداً اقتصادياً قابلاً للتطوير والتثمين. وتأتي السياحة الثقافية والتراثية في المرتبة الثانية بنسبة 24%، مستفيدة من غنى الرصيد التاريخي للمغرب وتنوع عروضه السياحية والثقافية.
وتساهم قطاعات أخرى بشكل متفاوت في هذا النسيج الإبداعي، حيث تمثل الإشهار والتسويق حوالي 12%، بينما يشكل القطاع السمعي البصري والسينما 9%، في حين تستحوذ الموسيقى على 6%، مدفوعة بالتحول الرقمي وانتشار المنصات الإلكترونية التي فتحت آفاقاً جديدة أمام الفنانين والمبدعين للوصول إلى جمهور أوسع.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يغفل التقرير الإشارة إلى مجموعة من التحديات البنيوية التي لا تزال تحد من الإمكانات الكاملة لهذا القطاع. وفي مقدمة هذه التحديات يبرز ضعف الولوج إلى التمويل، حيث لا تتجاوز حصة الصناعات الثقافية والإبداعية 0,5% من إجمالي القروض البنكية الموجهة للمقاولات، وهو ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة تعيق توسع المشاريع الإبداعية
الرئيسية





















































