ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد هشاشة السواحل المغربية الممتدة على الواجهتين الأطلسية والمتوسطية، والتي تمثل فضاءات بيئية حساسة وركيزة لقطاعات اقتصادية حيوية، من بينها الصيد البحري والسياحة والنقل البحري. غير أن هذا الزخم الاقتصادي يترافق مع مخاطر متصاعدة، خاصة مع تنامي حركة السفن المحملة بالمواد الخطرة، وعلى رأسها المحروقات والمواد الكيميائية، ما يرفع من احتمالات وقوع حوادث تلوث قد تكون لها انعكاسات بيئية واقتصادية جسيمة.
ورغم أن المغرب يتوفر على إطار وطني للتدخل في حالات التلوث البحري منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن تقييمات حديثة كشفت عن اختلالات بنيوية، تتجلى في غياب خطط تشغيلية دقيقة، وتداخل الصلاحيات بين مختلف المتدخلين، إلى جانب محدودية الإرشادات التقنية المرتبطة بطرق التدخل، خصوصاً فيما يتعلق باستعمال المشتتات الكيميائية أو التعامل مع الحوادث المعقدة.
كما أظهرت هذه التقييمات ضرورة ملاءمة المنظومة الوطنية مع المعايير الدولية التي تضعها المنظمة البحرية الدولية، بما يضمن انسجاماً أكبر مع الممارسات الفضلى المعتمدة عالمياً، ويعزز قدرة المملكة على الاستجابة الفعالة للحوادث العابرة للحدود.
ويرتكز المشروع الجديد على مقاربة شمولية تهدف إلى إعادة بناء هذا المخطط من أساسه، عبر تقييم دقيق لمخاطر التلوث البحري وتحديد المناطق الأكثر عرضة له، مع إعداد خرائط تفصيلية لحساسية السواحل، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات البيئية والاقتصادية لكل منطقة.
كما يتضمن الورش تحديداً دقيقاً للاحتياجات اللوجستية والتقنية، سواء من حيث المعدات أو وسائل التدخل، إلى جانب وضع بروتوكولات استعجالية واضحة تُمكّن من تعبئة الموارد بشكل سريع ومنسق، وفق درجات متفاوتة من الخطورة، بما يضمن فعالية أكبر في احتواء الحوادث وتقليص آثارها.
وفي جانب الحكامة، يراهن المشروع على إعادة تنظيم اللجنة الوطنية المكلفة بمكافحة التلوث البحري، من خلال توضيح الأدوار والمسؤوليات بين مختلف الفاعلين، بما يقلص من تداخل الاختصاصات ويُحسّن التنسيق المؤسساتي، خاصة في اللحظات الحرجة التي تتطلب سرعة القرار.
كما سيتم اعتماد نظام حديث لإدارة الأزمات البيئية، قائم على التنسيق الفوري وتبادل المعطيات بين المتدخلين، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي، لا سيما مع الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية، بهدف الاستفادة من الخبرات والتجارب المتقدمة في هذا المجال.
ولا يقف المشروع عند حدود الجوانب التقنية والتنظيمية، بل يمتد إلى وضع إطار قانوني ومالي أكثر وضوحاً، يهم تعويض الأضرار الناتجة عن حوادث التلوث البحري، إلى جانب إرساء آلية تمويل مستدامة تضمن استمرارية عمليات الوقاية والتدخل، بمساهمة من القطاعين العام والخاص، فضلاً عن الشركاء الدوليين.
ويرى متابعون أن هذا التحرك يعكس تحوّلاً في مقاربة تدبير المخاطر البيئية، من منطق التدخل بعد وقوع الحوادث إلى منطق الاستباق والتخطيط، في سياق تزداد فيه التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وتنامي الأنشطة البحرية.
كما يُنتظر أن يُسهم هذا التحيين في تعزيز حماية النظم البيئية الساحلية، وضمان استدامة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، بما يعزز توازن العلاقة بين التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية
الرئيسية





















































