كتاب الرأي

الزهايمر السياسي : الذاكرة المثقوبة لنهاية الولاية الحكومية

من حسن الحظ أنهم لا يجرؤون على الاستحواذ على الأوراش الملكية


مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ، قد يطالعنا نوع غريب من الاضطراب لدى بعض المسؤولين السياسيين، تتلاشى الوعود تدريجياً، وتذوب التراجعات، ويغدو الشركاء ضبابيين، ويُعاد تشكيل الحصيلة كما لو كانت سيرة ذاتية مُحسّنة. وأي تشابه مع أشخاص موجودين، أو حكومات في نهاية مسارها، أو أغلبية مرهقة، أو ناطقين رسميين أصابهم النسيان فجأة، أو وزراء يعيدون اكتشاف أفعالهم بعد سنوات، يبقى محض صدفة واضحة.



بقلم : عدنان بنشقرون

يجب تسمية الأشياء بمسمياتها، الزهايمر السياسي موجود. ليس كمرض بالمعنى الطبي، طبعاً، بل كآلية مريحة ومتكررة، تكاد تصبح مؤسسية عند اقتراب نهاية الولاية الحكومية. يظهر حين تقترب لحظة الحصيلة، وحين تلتقي وعود الأمس بنتائج اليوم، وحين تفضل السياسة، بدل تحمّل المسؤولية، إعادة ترتيب ذاكرتها.
 

هذا الاضطراب يكتسي طابعاً لافتاً. فهو لا يظهر في بداية الولاية الحكومية، حيث يسود الحماس وتغدو الوعود جزءاً من خطاب التقديم. ولا يظهر في منتصفها، حين يُستعمل تعقيد السياق لتأجيل الحساب. بل يظهر في النهاية، حين تتراكم الأرقام، ويبدأ المواطنون في المقارنة، وتصبح التأخيرات مرئية، ولا تعود الشعارات كافية. عندها فقط ينشأ ذلك الميل لإرباك الذاكرة.
 

حينها تُنسى الالتزامات الدقيقة، وتُعاد صياغة الأولويات، ويُقال إن السياق تغيّر، وإن الظرفية صعبة، وإن العراقيل كبيرة، وإن الإرث ثقيل، وإن الهوامش ضيقة. وكل ذلك قد يكون صحيحاً أحياناً، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التفسير إلى ستار دائم، وإلى وسيلة لإذابة المسؤولية داخل ضباب تقني، عندها لا يعود الأمر حصيلة، بل عملية “جراحة سردية”.
 

الزهايمر السياسي لا يقتصر على نسيان ما لم يُنجز. ذلك سيكون بسيطاً. أخطر أشكاله هو النسيان الانتقائي أو الموجّه. يتم تضخيم نصف النجاحات، وتجميل التأخيرات، وتحويل المشاريع غير المكتملة إلى “مسارات واعدة”، وتقديم التدبير العادي كملحمة إصلاحية. فلا يعود الخطاب يقول : “هذا ما أنجزناه وهذا ما لم ننجزه”، بل يصبح : “ما لم ينجح هو في الواقع نجاح مؤجل”.
 

لكن هذا الاضطراب في الذاكرة يتجلى أيضاً في مستوى آخر أكثر حساسية : الذاكرة السياسية للتحالفات. فالحكم داخل الأغلبية يتم بشكل جماعي، لكن عند لحظة النهاية، يرغب البعض في الظهور منفردين في صورة الحصيلة. يصبح الشركاء ديكوراً ثانوياً، وتُمحى أدوار وزرائهم، وتُدفن إنجازاتهم في الهامش، وكأن التحالف لم يكن سوى إجراء إداري عابر.
 

وهنا يتحول الزهايمر السياسي إلى أداة استحواذ رمزي. تُحتكر النجاحات وتُوزع الإخفاقات. ما نجح يُنسب إلى طرف واحد، وما تعثر يُلقى على كاهل التحالف، والضغوط، والتعقيدات. بمعنى آخر، يتم تقاسم أعباء الحكم، لكن لا يتم تقاسم ملكية النتائج. الشركاء يُستدعون عند الصعوبات، ويُغيبون عند لحظة المجد.
 

وفي نهاية بعض الولايات الحكومية، تتخذ هذه العملية طابعاً أكثر قسوة. يتم الإبقاء على الشركاء داخل الحكومة شكلياً، بينما يُستبعدون تدريجياً من السردية. يُستمر في الحكم معهم، لكن يُتحدث عنهم كما لو أنهم عبء ظرفي. لا يتم القطع معهم، بل يتم إضعاف حضورهم لغوياً. إنها عملية أنيقة في الشكل، لكنها شديدة الفاعلية في المضمون.
 

المقلق ليس وجود هذا المنطق، فالحياة السياسية لا تخلو من الحسابات. المقلق هو اعتياده. وكأن الذاكرة العامة مادة قابلة للطيّ والتشكيل حسب الحاجة. وكأن المواطن لا يلاحظ الفجوة بين ما يعيشه فعلاً وما يُعاد تقديمه له. لكن الحقيقة أن هذه الفجوة مرئية بوضوح، حتى وإن اختلفت درجة قراءتها.
 

فالمجتمعات لا تطلب الكمال، لكنها تطلب الصدق في التقييم. يمكنها تقبّل التعثر، وتأجيل النتائج، وحتى الفشل الجزئي. لكنها ترفض أن يُطلب منها تصديق روايات مُعدّلة باستمرار، أو أن يُعاد تقديم الواقع بصيغة مخففة. لأن الخطر الحقيقي ليس في ضعف الحصيلة، بل في التلاعب بالوعي.
 

في نهاية المطاف، المطلوب من أي حكومة في نهاية ولايتها بسيط : أن تقول ما أنجزته، وما لم تنجزه، ولماذا، ومع من، وبأي كلفة. الاعتراف بالشركاء حين يكون لهم دور، وتحمل الاختلافات دون إعادة كتابة التاريخ، وتسميّة النجاحات دون تضخيم، ومواجهة الإخفاقات دون تحميلها لغيرها.
 

لكننا في زمن أصبحت فيه الدعاية أحياناً بديلاً عن المحاسبة. لا تُغلق الولايات بل يُعاد تغليفها. لا تُراجع السياسات بل تُسرد بطريقة جديدة. لا تُعرض الحصيلة بل تُصنع رواية انتخابية موازية. وكلما اقتربت النهاية، ازداد الحديث عن المستقبل لتفادي مواجهة الماضي.
 

لذلك، فإن الزهايمر السياسي لا يُخيف لأنه ينسى التفاصيل، بل لأنه يمسّ جوهر الديمقراطية : القدرة على تذكّر ما قام به المسؤول ، ولمن ، ومع من تم ذلك، فالديمقراطية لا تحتاج إلى قادة بلا أخطاء، بل إلى قادة بذاكرة سليمة. قادرين على التمييز بين الحصيلة والدعاية، بين الشراكة والملكية، وبين ممارسة الحكم واحتكار الفضل

 في النهاية، يكفي أن نتذكر هذه الخلاصة : داخل الأغلبية يُوقّع الجميع، لكن داخل الحصيلة يريد البعض أن يظهر وحيداً، ومن هنا يبدأ الانزلاق الحقيقي لأي ولاية : ليس فقط لأنها أخفقت، بل لأنها بدأت تعيد تشكيل ذاكرتها بنفسها.





الاربعاء 22 أبريل 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic