بين السطور

بنكيران يختار المعارضة ويستعد مبكراً لمعركة 2027

هل كان خطاب عبد الإله بنكيران بعد الانتخابات التشريعية يتحدث عن حكومة 2026 أقل مما كان يمهد لمعركة الانتخابات الجماعية والجهوية في 2027؟


ما إن أُغلقت صناديق اقتراع تشريعيات 23 شتنبر حتى بدا أن حملة سياسية جديدة بدأت تتشكل في الأفق. عبد الإله بنكيران لم ينتظر تشكيل الحكومة المقبلة ليحدد موقع حزبه، إذ اعتبر أن العدالة والتنمية حقق عودة سياسية مهمة، وأعلن، في إطار موقفه الشخصي إلى حين حسم مؤسسات الحزب، رفض المشاركة في تجربة حكومية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.



بقلم : عدنان بنشقرون

ذهب بنكيران أبعد من ذلك، حين تحدث عن معارضة قوية للحكومة المقبلة، والعمل على مواجهتها سياسياً ومحاولة إسقاطها والدفع نحو انتخابات جديدة.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه التصريحات امتداداً لأسلوب بنكيران المعروف : مباشر، حاد، وصدامي. لكن قراءة ثانية تجعل عنصر الزمن أكثر أهمية من نبرة الخطاب نفسها. فخلف انتخابات 2026 تقف محطة أخرى لا تفصل عنها سوى أشهر قليلة : انتخابات الجماعات والجهات في 2027
 

العدالة والتنمية قد لا يملك رفاهية انتظار 2031


جرت آخر انتخابات جماعية وجهوية سنة 2021، وبالتالي فإن موعد تجديد المجالس الترابية يحل سنة 2027وهذه المسألة ليست مجرد تفصيل في الرزنامة الانتخابية.


ففي 2021، جرت الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه، ما جعل التراجع الذي تعرض له العدالة والتنمية يشمل المستويين الوطني والمحلي في وقت واحد.


الحزب لم يخسر فقط موقعه المتقدم في مجلس النواب، بل تراجع أيضاً بشكل واضح في الجماعات والجهات وعدد من المدن الكبرى.


بعد خمس سنوات، لم تعد المواعيد الانتخابية تسير بالإيقاع نفسه. 2026 أعادت الحزب بقوة أكبر إلى البرلمان، بينما يمكن أن تتحول 2027 إلى فرصة لاختبار قدرته على استعادة جزء من نفوذه المحلي.


من هنا، يصبح اختيار المعارضة مباشرة بعد الانتخابات أكثر قابلية للفهم. فالحزب لا يملك سنوات طويلة قبل الموعد الانتخابي المقبل، بل أمامه فترة قصيرة نسبياً لتحويل زخمه البرلماني إلى حضور أقوى داخل الجماعات والجهات.


54 مقعداً.. والأهم الحفاظ على الزخم


وفق النتائج المؤقتة للانتخابات، حصل العدالة والتنمية على 54 مقعداً، خلف الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال.


من الناحية الحسابية، لم يتصدر الحزب الانتخابات، لكن بنكيران يسعى إلى تقديم قراءة سياسية مختلفة للنتيجة: حزب خرج من انهيار 2021، واستعاد جزءاً مهماً من قوته، وعاد إلى موقع يسمح له بلعب دور مركزي داخل المعارضة.


هذه قراءة سياسية يمكن مناقشتها، لكن منطقها واضح: الزخم الانتخابي لا يدوم إلى الأبد، والحزب يحتاج إلى استثماره قبل أن يتراجع تأثيره.


وهنا تأتي انتخابات 2027 في توقيت مناسب تماماً، فالعدالة والتنمية قد ينتقل عملياً من حملة انتخابية إلى أخرى، من دون فترة انتظار طويلة.


هل تتحول انتخابات 2027 إلى أول اختبار للحكومة الجديدة؟


الحكومة المقبلة لن تحصل على وقت طويل قبل أن تجد نفسها أمام انتخابات الجماعات والجهات.


وخلال الأشهر الأولى من ولايتها، ستصبح ملفات القدرة الشرائية والتشغيل والأسعار والحماية الاجتماعية والنقل والسكن والخدمات العمومية والتدبير المحلي مادة مباشرة للمواجهة السياسية.


ومن هذا المنظور، قد يسعى بنكيران إلى تحويل استحقاقات 2027 إلى أول اختبار سياسي للأغلبية الجديدة، لكن ينبغي التمييز بين المستويين. فالانتخابات الجماعية والجهوية لها طبيعتها الخاصة، وتخضع لعوامل محلية مرتبطة بالمرشحين والتحالفات والحضور الميداني والتوازنات داخل كل مدينة أو إقليم.


وبالتالي، فإن تقدم حزب في الانتخابات الجماعية والجهوية لا يعني تلقائياً وجود موقف وطني موحد من الحكومة، ومع ذلك، ستسعى مختلف القوى السياسية إلى إعطاء النتائج دلالات وطنية، وسيكون العدالة والتنمية من بين أكثر الأحزاب اهتماماً بذلك.


إسقاط الحكومة أم رفع رصيد الحزب؟


عندما يتحدث بنكيران عن إسقاط الحكومة المقبلة، تبدو العبارة شديدة سياسياً، لكن إسقاط حكومة لا يرتبط بإرادة حزب معارض واحد، خاصة عندما يتوفر على 54 نائباً فقط، لذلك، قد يكون المقصود سياسياً أوسع من إسقاط الحكومة بشكل مباشر.


ربما يتعلق الأمر ببناء معارضة مستمرة، تحاول تحويل كل تعثر حكومي إلى فرصة سياسية: ارتفاع الأسعار، تأخر تنفيذ الوعود، خلافات مكونات الأغلبية، أو احتجاجات اجتماعية ومحلية.


كل ملف من هذه الملفات يمكن أن يتحول إلى مادة للمعارضة، وكل شهر يمر يقرب البلاد أكثر من موعد 2027.


بهذا المعنى، قد تبدو تصريحات بنكيران أقرب إلى إعلان بداية استراتيجية استنزاف سياسي طويلة نسبياً، أكثر منها إعلاناً عن خطوة مؤسساتية فورية لإسقاط الحكومة.


استثناء لافت اسمه فوزي لقجع


هناك تفصيل آخر يستحق التوقف عنده: بنكيران حرص على الفصل بين فوزي لقجع وحزب الأصالة والمعاصرة، فتحدث عن علاقة شخصية طيبة معه، في الوقت الذي حافظ فيه على رفضه السياسي المشاركة في حكومة يقودها الحزب.


هذا التمييز ليس بلا دلالة، فهو يسمح لبنكيران بالفصل بين الشخص والمؤسسة السياسية، والحفاظ على علاقة شخصية مع لقجع من دون التراجع عن موقفه من الحزب.


وفي حال لعب لقجع مستقبلاً دوراً بارزاً داخل الجهاز التنفيذي، وهو أمر يبقى مرتبطاً بالقرارات المؤسساتية المقبلة، فإن هذه المسافة قد تمنح بنكيران هامشاً أكبر في خطابه السياسي.


بمعنى آخر: يمكن معارضة الحكومة من دون تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، وهذا النوع من المرونة قد يصبح مفيداً مع اقتراب انتخابات 2027.
 

المعركة الحقيقية قد تكون في الجماعات والجهات


هنا يوجد جوهر المسألة بالنسبة إلى العدالة والتنمية.فإعادة بناء حزب لا تتم فقط عبر المقاعد البرلمانية، الحزب يحتاج أيضاً إلى مستشارين جماعيين وجهويين، ورؤساء جماعات، وفرق محلية، ومناضلين معروفين داخل الأحياء والمدن، وشبكات تنظيمية قادرة على التواصل اليومي مع المواطنين.


لذلك، فإن انتخابات 2027 ليست مجرد محطة انتخابية وسط الولاية، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة العدالة والتنمية على استعادة حضوره داخل الجماعات والجهات.


فإذا كان صعوده في 2026 يعكس بالفعل عودة سياسية عميقة، فمن المفترض أن تظهر آثار هذه العودة في المدن والجماعات والجهات، أما إذا بقيت النتيجة محصورة في البرلمان، فسيكون من الصعب الحديث عن استعادة كاملة للحضور السياسي السابق.


وتزداد أهمية هذه المعركة لأن الانتخابات الجماعية والجهوية لا تؤثر فقط في تدبير البلديات والجهات، بل لها أيضاً امتدادات داخل البنية المؤسساتية الوطنية، بحكم ارتباط جزء مهم من تركيبة مجلس المستشارين بممثلي الجماعات الترابية.


أي أن استعادة الحضور المحلي يمكن أن تنتج آثاراً تتجاوز المجال البلدي.


ربما يكون جدول بنكيران أقصر بكثير مما يبدو


يمكن اختزال السيناريو السياسي المفترض للحزب في ثلاث محطات :


2021: البقاء.

2026: العودة إلى البرلمان.

2027: محاولة استعادة الحضور داخل الجماعات والجهات.


وبعد ذلك فقط يبدأ التفكير في الدورة السياسية التالية.


ضمن هذه القراءة، لا يملك بنكيران حافزاً كبيراً للدخول في حكومة يقودها خصم سياسي تقليدي، فالمعارضة تمنح حزبه مزايا سياسية واضحة: حرية أكبر في الخطاب، قدرة على التمايز، حضور إعلامي متواصل، وإمكانية التحرك انتخابياً من دون الاضطرار يومياً إلى الدفاع عن حصيلة حكومية مشتركة.


لكن ذلك يبقى خياراً سياسياً وليس ضمانة لنتائج انتخابية محددة، فناخبو 2027 سيصوتون بناء على عوامل مختلفة، محلية ووطنية، وستظل قدرتهم على مكافأة الأحزاب أو معاقبتها مرتبطة بما سيحدث خلال الأشهر المقبلة.


ومع ذلك، هناك منطق سياسي واضح وراء هذا التموضع، قد تكون حملة انتخابية قد انتهت للتو، لكن أخرى بدأت عملياً منذ الآن.


معركة 2027 تبدأ قبل تشكيل الحكومة


المفارقة التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر هي أننا قد لا نكون أمام نهاية موسم انتخابي، بل أمام بداية دورة سياسية جديدة، الحكومة المقبلة ستبدأ عملها وهي تدرك أن أول استحقاق انتخابي جديد ليس بعيداً، وأن الناخبين سيعودون بعد أشهر فقط إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الجماعات والجهات.


أما المعارضة، فيمكنها أن تدخل أجواء الحملة منذ اليوم الأول تقريباً، ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات بنكيران أكثر قابلية للفهم، فالرسالة قد لا تكون موجهة فقط إلى حزب الأصالة والمعاصرة بالقول : لن نشارك في حكومة تقودونها.


بل ربما تتضمن رسالة أخرى إلى قواعد العدالة والتنمية: لا تطووا لافتات الحملة بعد... فالمعركة المقبلة بدأت بالفعل





الثلاثاء 29 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic