بقلم : عدنان بنشقرون
لكن السياسة ليست مجرد ترتيب أرقام. إنها أيضاً القدرة على فهم ما لم تعد الأرقام قادرة على تهدئته. ففي جزء واسع من المجتمع المغربي، ترسخ شعور بأن الليبرالية أصبحت أكثر قسوة وبرودة وثقة مفرطة، وأقل اكتراثاً بالحياة اليومية للأسر. المشكلة ليست في المقاولة، ولا في السوق، ولا في النجاح الاقتصادي. المشكلة في الإحساس العام بأن كل شيء يرتفع إلا الثقة، وأن العبء يُطلب دائماً من الفئات نفسها، وأن الطبقة الوسطى تدفع دون أن ترى مقابلاً واضحاً، بينما يشعر المواطن المنتج والمجتهد والمساهم في التعليم والاستقرار بأنه غير مرئي.
وهنا تحديداً يجب أن تبدأ مرحلة التحول.
إن طيّ صفحة مرحلة لا يعني رفض اقتصاد السوق. سيكون ذلك خطأً. المغرب يحتاج إلى مقاولات قوية، واستثمار خاص، وابتكار، وتصدير، ورأسمال، وإنتاجية، وروح مغامرة اقتصادية. لكنه يحتاج أيضاً إلى شيء إضافي: سوق مضبوط بأخلاقيات، ومنافسة حقيقية، وربح مشروع لأنه يخلق قيمة، لا لأنه يقوم على الريع. يجب تحرير المقاولة، نعم، لكن من القيود غير العادلة، ومن الامتيازات غير المشروعة، ومن الاختناقات الإدارية ومن شبكات الاحتكار.
إن القطيعة المطلوبة ليست ضد الاقتصاد، بل ضد الاقتصاد الريعي.
البرنامج السياسي القادم سيكون واضحاً : نريد اقتصاداً منتجاً، لكن دون مجتمع متروك للأقوى. نريد حرية المبادرة، لكن دون ليبرالية متوحشة. نريد الربح، لكن ربحاً أخلاقياً. نريد مستثمرين، لكن أيضاً مواطنين واقفين على أقدامهم. نريد النمو، لكن نمواً يوسع الطبقة الوسطى بدل أن يستنزفها.
وهنا تكمن جوهر السياسة في 2026: الحركية الاجتماعية. كثير من المغاربة لا يطلبون فقط الدعم، بل يطلبون دليلاً على أن الجهد ما زال له معنى. أن المدرسة يمكن أن تغيّر المصير. أن العمل يمكن أن يوفر السكن. أن المقاولة يمكن أن تنمو دون وساطة. أن الكفاءة ليست مجرد شعار. أن العالم القروي ليس محكوماً بالتهميش أمام المدن الكبرى.
ومن هنا، يجب أن يكون “نيو ديل” المغربي هدفه الأساسي : إعادة بناء طبقة وسطى قوية. ليست طبقة وسطى رقمية أو هشة، بل طبقة قادرة على الادخار، والتعليم، والعلاج، والاستهلاك الكريم، والمبادرة، ونقل الأمل. وهذا يقتضي إعادة توزيع ذكية للنمو : ضرائب أكثر عدلاً، خدمات عمومية أفضل، تعليم ذي جودة، صحة ميسّرة، سكن لائق، وتقليص الفوارق المجالية، ومحاربة الريع.
ويعود هنا الدور المركزي للدولة الاجتماعية. لا يمكن مطالبة المواطن بالإيمان بالتحديث إذا كانت المدرسة لا تطمئن. ولا يمكن الحديث عن الكرامة إذا كان المستشفى يرهق الأسر. ولا يمكن الحديث عن المواطنة إذا كانت الإدارة لا تزال تُهين المواطن بالبطء والتعقيد والغموض. إن خدمة عمومية فعالة ليست حنيناً للدولة القديمة، بل شرطاً للاستقرار.
كما أن المرحلة الليبرالية الحالية خلقت مشكلة عميقة في اللغة السياسية : تم التركيز كثيراً على المؤشرات والأرقام، وأقل على العدالة الملموسة. المواطن لا يعيش في التقارير الاقتصادية، بل في الكراء، وسلة الغذاء، والفاتورة، والدواء، والتنقل، وتمدرس الأبناء. وعندما يقال له إن الأرقام تتحسن بينما يومه يظل صعباً، تتعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
لذلك يجب أن يكون البرنامج القادم برنامج نتائج لا وعود فقط : مراقبة الأسعار، فعالية المنافسة، وصول الدعم إلى مستحقيه، تحسين المدرسة، تقليص مدة العلاج، إدماج الشباب في الشغل، وتقليص الفوارق بين الجهات. يجب أن يصبح “الإثبات” هو معيار السياسة الجديد.
لكن “نيو ديل” لا يمكن أن يكون اجتماعياً فقط، بل يجب أن يكون أيضاً ثقافياً ووطنياً. يحتاج المغرب إلى رواية جامعة: مواطنة، تماسك اجتماعي، انفتاح، اعتزاز بالهوية، وتوازن بين الأصالة والانفتاح. بلد حديث ومتجذر في آن واحد، واثق من تاريخه ومنفتح على العالم.
ولا يمكن تجاهل البعد الدولي. المغرب قادر على لعب دور أكبر كجسر بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمتوسط والأطلسي. لكن هذا الإشعاع الخارجي لن يصمد إذا تآكل العقد الاجتماعي الداخلي، لأن القوة الخارجية لأي بلد تبدأ من تماسكه الداخلي.
كما أن النقاش الديموغرافي أصبح ضرورياً : انخفاض الإنجاب ليس مجرد اختيار فردي، بل مرتبط بالإحساس بعدم الاستقرار. لذلك فإن دعم الأسر الشابة لا يتعلق بالنصائح، بل بالسياسات : السكن، العمل، التعليم، الصحة، والاستقرار.
إن طيّ الصفحة الحالية لن يحدث إلا إذا ظهرت بديل واضح : ليس خطاباً ضد الأغنياء، ولا حنيناً للدولة القديمة، بل عقداً جديداً : تحرير الاقتصاد مع حماية المجتمع، تشجيع الربح مع ضبطه أخلاقياً، توسيع الطبقة الوسطى، تقوية الخدمات العمومية، وإعادة الاعتبار للعدالة.
إنها ليست مجرد مرحلة سياسية، بل وعد جديد : أن يكون المغرب ليس فقط بلداً يجذب الاستثمار، بل بلداً يرفع مواطنيه. ليس فقط بلداً يبني البنية التحتية، بل بلداً يبني الأمل. ليس فقط بلداً مستقراً، بل بلداً عادلاً.
إن عكس الليبرالية المفرطة لا يعني إغلاق الاقتصاد… بل يعني ببساطة : إعادة فتح المستقبل
الرئيسية















