بقلم : محمد آيت بلحسن
كانت تركيا بعد الحرب شريكًا ثمينًا للولايات المتحدة، وكان كل طرف على دراية بذلك. تسيطر أنقرة على مضائق البوسفور والدردنيل — الوحيدة التي تتيح الوصول البحري إلى البحر الأسود، حيث نشرت الاتحاد السوفيتي ثلث أسطوله. دعمت واشنطن هذا التحالف بشكل كبير: بين 1947 و1973، تجاوزت المساعدات الأمريكية لتركيا 6,7 مليار دولار، منها 3,7 مليارات كمساعدات عسكرية. أصبح الجيش التركي شبه معتمد كليًا على المعدات الأمريكية، اعتماد لم يُشكك فيه أحد في أنقرة — حتى دخلت قبرص المعادلة.
كانت قبرص نقطة توتر تاريخية بين الأغلبية اليونانية-قبرصية والأقلية التركية-قبرصية. وعندما ألغى الرئيس القبرصي ماكاريوس الثالث بشكل أحادي اتفاقيات لندن وزيورخ عام 1964 — التي كانت تكفل حقوق الأتراك في الجزيرة — هددت أنقرة بالتدخل عسكريًا وفق حقوقها كقوة ضامنة. هنا وصلت رسالة جونسون. لم ترفض واشنطن الدعم فقط، بل شككت في تضامن الناتو. بالنسبة لتركيا التي استضافت 25 قاعدة أمريكية وأرسلت جنودها للموت في كوريا جنبًا إلى جنب مع الأمريكيين، كان ذلك خيانة. تراجعت تركيا حينها، لكنها لم تنس.
بعد عشر سنوات، جاء حساب هذا الاعتماد. عقب التدخل العسكري التركي في قبرص يوليو 1974 — هذه المرة فعليًا — صوّت الكونغرس الأمريكي على حظر كامل لبيع الأسلحة لأنقرة، بما في ذلك قطع الغيار. وكان التوقيت مدمرًا: الجيش التركي في خضم العملية وكان بحاجة إلى صيانة. خلال أشهر، علّقت نصف الطائرات العسكرية التركية على الأرض. من بين 39 طائرة مقاتلة F-4 فانتوم، لم تبقَ سوى 16 صالحة للعمل. كان على تركيا دفع أقساط واحتجاز طائرات لم توفّرها لها الولايات المتحدة. توسّل رئيس الوزراء التركي ديميريل شخصيًا للرئيس فورد في بروكسل: «عرضنا أنفسنا كهدف سوفيتي لكم. استقبلناكم في أراضينا. لماذا تفعلون هذا؟» تعاطف فورد لكنه لم يفعل شيئًا.
كان الرد التركي فوريًا ومنهجيًا. في 1975، أغلقت أنقرة الـ25 قاعدة الأمريكية على أراضيها — ضربة قاسية للـCIA التي فقدت أصولًا قيّمة لمراقبة الجيش السوفيتي. في الوقت نفسه، أطلقت الحكومة التركية أولى المؤسسات الوطنية للدفاع: أسلسان عام 1975 للإلكترونيات العسكرية، ثم روكتسان للصواريخ، وعدة هياكل أخرى. وشارك الشعب التركي ماليًا في هذا الجهد متأثرًا بالإذلال. تم رفع الحظر في 1978، لكن تركيا استمرت في مسارها.
1980 : استراتيجية الاستقلال العسكري
خلال ثمانينات القرن الماضي، صقلت أنقرة استراتيجيتها : بدل شراء الأسلحة فقط، تفاوضت على عقود إنتاج بموجب تراخيص ونقل تكنولوجيا. الشراكة مع جنرال دايناميكس وجنرال إليكتريك لتجميع F-16 في تركيا ابتداءً من 1984 مثال على هذا النهج. قدمت الشركات الغربية التكنولوجيا، بينما وفّر المستثمرون الأتراك رأس المال. سمح هذا النموذج لتركيا ببناء خبرة تدريجية في المقاتلات، والدبابات، وأنظمة الرادار، والحرب الإلكترونية — مع الحفاظ على مشاركة الأمريكيين. كانت هذه مهارة دبلوماسية تخفي استراتيجية تحرر متعمدة، إذ فهم الأتراك حدود النظام: الشركاء الأجانب نادرًا ما يشاركون الشيفرة المصدرية أو التكنولوجيا الحساسة فعليًا. جُمعت الطائرات F-16 لعقود دون الوصول إلى مكتبة تهديداتها.
الانتفاضة الصناعية : Baykar والطائرات دون طيار والمقاتلات الشبح
مع وصول أردوغان للسلطة في أوائل الألفينات، تطورت الاستراتيجية: لم تعد التراخيص كافية، بل جاء التركيز على تطوير محلي ممول بكثافة من الوكالة الوطنية للصناعة الدفاعية. شُجعت الشركات التركية العامة والخاصة على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث لتطوير منتجات تركية بالكامل قابلة للتصدير. وحقق الرهان نجاحًا مذهلًا: ارتفعت صادرات الأسلحة من 248 مليون دولار عام 2002 إلى 9,87 مليار دولار عام 2025. وبلغت نسبة الاكتفاء الذاتي 80٪ في 2024. وانضمت شركة Baykar المتخصصة في الطائرات دون طيار، إلى قائمة SIPRI لأكبر 100 شركة دفاعية في العالم.
هذه المسيرة تجعل تركيا مصدر قلق لإسرائيل. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بلا مواربة: «تركيا هي إيران الجديدة». ونشر المحلل في American Enterprise Institute، مايكل روبين، خلال الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تغريدة بالتركية على X يتساءل فيها: هل ستصبح أنقرة في 2036 كما طهران في 2026؟ هذه الخطاب ليس بريئًا — إنه يهيئ الرأي العام الدولي لمواجهة محتملة مع تركيا.
ورد أردوغان بوضوح: «إذا كان لدى إسرائيل قبة حديدية، فتركيا ستبني قبة فولاذية». استعارة واضحة لتطوير أنظمة دفاع جوي مستقلة.
نشرت الأكاديمية الوطنية للاستخبارات التركية دراسة بعنوان "حرب الـ12 يومًا: دروس لتركيا" تحلل صراع إيران-إسرائيل يونيو 2025. أبرز الاستنتاجات : أهمية التحالفات الموثوقة، حماية النخبة العسكرية والمدنية منذ البداية، الأنظمة المبكرة للإنذار والملاجئ لتقليل الخسائر المدنية، وأهمية الاستخبارات السيبرانية والفضائية والإلكترونية كأساس لأي سيادة دفاعية. وخلص وزير الخارجية التركي: إذا لم تتقن قوة ما الاستخبارات الفضائية والسيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي، «فليس لها مكان في مواجهة إسرائيل أو أمريكا».
بالنسبة للمغرب، الذي نوّع بدوره موردي الأسلحة بما في ذلك الطائرات التركية Bayraktar، وتوازن بين تحالفات إقليمية معقدة، تُعد التجربة التركية أكثر من مجرد دراسة حالة جيوسياسية؛ إنها مرآة. فالاعتماد على مزود واحد للأسلحة هو أداة تستخدمها القوى الكبرى متى ما خدمت مصالحها. استغرق بناء بديل موثوق خمسين عامًا، ويعلمنا التاريخ أن السيادة لا تُفرض بل تُبنى قطعة قطعة، عقدًا عقدًا، وتكنولوجيا بتكنولوجيا، وأن ثمن الاعتماد يظهر دائمًا في أسوأ الأوقات الممكنة
الرئيسية















