بقلم: الكاتب عبد العزيز كوكاس
“إن العملية الديمقراطية شأنها شأن جميع الأنشطة البشرية غير كاملة، إلا أن قوتها تكمن في حقيقة كون الناس هم خير من يحكم على مصيرهم” رسل جيه. دالتون
لم تعش الديمقراطية خارج لحظة بروزها في مواجهات تحديات الأنظمة التوليتارية، أزمة عميقة بقدر ما تعيشها اليوم في ظل تحديات عالم يسير نحو مزيد من التعقيد والتحول المتسارع الذي يسائل حتى تصوراتنا الكلاسيكية حول الديمقراطية كهوية وكمسار، وهي اللحظة التي يتطلب فيها حوارنا الثقافي والسياسي أكثر من أي وقت مضى أن يتجاوز الأسئلة التقليدية نحو رؤية أعمق وأشمل لبناء ديمقراطية حقيقية. وعليه، فإن موضوع “الثقافة والبناء الديمقراطي” ليس مجرد مسألة أكاديمية أو ترفا فكريا، بقدر ما هو تحدٍّ مصيري يشمل كل جوانب حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية.
لا يمكن أن نناقش مفهوم “الديمقراطية” بمعزل عن الثقافة، فمن الضروري أن نفهم العلاقة العميقة والمترابطة بين هذين العنصرين، إذ أن الديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية أو محض صناديق اقتراع تُفرز ممثلين للأمة بين أغلبية وأقلية، بل هي منظومة من القيم الثقافية التي تؤمن بحق الفرد والجماعة في الاختلاف، وتُعلي من شأن الحرية كمبدأ أساسي في بناء كيانات الأفراد والجماعات والمجتمعات. وبالتالي فالديمقراطية هي في جوهرها تمرينا ثقافيا قبل أن تكون ممارسة سياسية. والعلاقة بين الديمقراطية والثقافة هي علاقة تفاعلية وديناميكية. حيث توفر الديمقراطية مساحة للثقافة لكي تزدهر وتنمو، بينما الثقافة تشكل الأرضية التي تستند إليها الديمقراطية لتطور وتعزز القيم الأساسية للمجتمع.
هذا على مستوى الطرح النظري يبدو متماسكا ومقنعا، لكن التحليل العميق والتجربة التاريخية تدل على أن علاقة الديمقراطية بالثقافة هي علاقة متشابكة ومعقدة، فقد تخلق الثقافة تحديات ومعوقات أمام الممارسة الديمقراطية، خصوصا إذا كانت القيم الثقافية تتعارض مع المبادئ الديمقراطية. وبالتالي، فإن تعزيز الديمقراطية يتطلب العمل المستمر على تحسين الثقافة الديمقراطية وتعليم الأفراد كيفية استخدام حقوقهم في سياق ثقافي يتيح الحرية والعدالة للجميع. فلا يمكن فهم الديمقراطية بشكل صحيح دون النظر إلى السياق الثقافي الذي تنمو فيه، ولا يمكن تصور وجود ديمقراطية حقيقية دون أن تكون هناك ثقافة تشجع على التفكير النقدي، الحوار، والتنوع. لكن هذه العلاقة لا تكون دائما متناغمة، إذ قد تخلق الديمقراطية تحديات ثقافية، وقد تؤثر الثقافة في تطبيق الديمقراطية بطرق متباينة.
إن النظر إلى الديمقراطية كآلية أو مجرد نظام حكم لا يتعدى العملية الانتخابية، هو إغفال للبعد العميق لهذه المنظومة. الديمقراطية في جوهرها هي ثقافة احترام الآخر، وعي نقدي مشبع بالحرية والحق في الاختلاف والتعدد والتنوع، ثقافة تسعى إلى تمكين الأفراد من التعبير عن قناعاتهم في إطار من الحوار والتنافس البناء. وهي في ذات الوقت تُنمي لدى الأفراد قدرة على التفكير النقدي والتأمل، بعيدًا عن الانغلاق أو الاستجابة للعقائد الأحادية التي تفرض وصايتها على العقل الجمعي.
لكننا في سياق مجتمعاتنا الثالثة عموماً، والمغربي على وجه الخصوص، لا يمكننا أن نتحدث عن الديمقراطية بمعزل عن التحديات الثقافية والتاريخية التي أفرزها واقعنا السياسي والاجتماعي. فالتحديات الكبرى التي نواجهنا اليوم لا تقتصر فقط على الأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل تتجسد في أزمات ثقافية عميقة، أزمات تتعلق بفقدان الثقة في المؤسسات الثقافية والتعليمية، وفي الدور الذي ينبغي أن تلعبه الثقافة في تشكيل هوية مجتمعية ديمقراطية، ووجود تشكيلات اجتماعية متراكبة ومتداخلة تتعايش فيها أنماط من الإنتاج وبالتالي أنماط من القيم والسلوكات والذهنيات متداخلة حد التناقض، وتحمل في جيناتها بوادر كبح التطور الديمقراطي في قضايا حساسة للمجتمع البطريركي والقيم التقليدية الزاحفة من بيئات ثقافية أخرى على بلادنا.
فقد رأينا في الكثير من الأحيان، أن كوابح الديمقراطية لا تأتي بالضرورة من السلطة المركزية بل من قلب المجتمع ذاته، حيث تتعارض القيم الديمقراطية مع القيم الثقافية السائدة، خاصة في قضايا مثيرة للجدل في الأوساط المحافظة، مثل مسألة حقوق المرأة، حقوق الأقليات، أو حرية التعبير… في هذه الحالات، قد تجد الديمقراطية نفسها في مواجهة مع تحديات ثقافية قد تؤثر في تطبيق بعض من مبادئها. على سبيل المثال، قد تجد المجتمعات التي تحتفظ بعادات اجتماعية صارمة صعوبة في تبني بعض مبادئ الديمقراطية التي تدعو إلى حرية الاختيار والمساواة بين الجنسين.
نحن بحاجة اليوم إلى نقد ثقافي عميق يواكب التحولات السياسية والاقتصادية، ويفتح المجال لإعادة بناء مفاهيمنا عن الديمقراطية بما يحقق انفتاحا على الآخر، ويحرر عقولنا من الانغلاق الثقافي والفكري. فالديمقراطية لا يمكن أن تُترجم إلى واقع إذا لم تكن محمولة على وعي ثقافي عميق، وإذا لم تتشكل في نفوس الأفراد رغبة حقيقية في الاعتراف بالاختلاف، وتقبل التعددية في المواقف والرؤى. وهذا يستدعي، بالدرجة الأولى، إعادة النظر في خطابنا الثقافي، وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية لتكون في مستوى بناء هذه الثقافة الديمقراطية.
كما أن فشل الديمقراطية في مجتمعاتنا يمكن أن يعزى بشكل كبير إلى غياب الإرادة الثقافية الفاعلة، التي تسعى لتحدي الهيمنات الأيديولوجية التقليدية، التي تُكرس ثقافة الاستبداد، وتجعل من الاختلاف جريمة ومن المعارضة تهديدًا للهوية. ومن هنا، يصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار لدور الثقافة في تحفيز النقد الذاتي، وفي تعزيز قدرة الأفراد والجماعات على خلق حلول إبداعية لمشاكلهم.
وفي هذا السياق، أعتقد أن الإعلام له دور أساسي في تشكيل الوعي الديمقراطي، ولكنه للأسف في الكثير من الأحيان يتحول إلى أداة للسطحية، ويسهم في تكريس التفاهة والفساد الفكري. ولكننا بحاجة إلى إعلام حقيقي يعيد الحياة للمفاهيم الكبرى التي تدعم الديمقراطية مثل الشفافية، المساءلة والعدالة الاجتماعية. يجب أن يُصبح الإعلام قوة فاعلة في نشر قيم الحق والحرية، ويجب أن يُحسن من أداء رسالته في مواجهة الانحدار الثقافي والسياسي الذي نعاني منه.
ومن هنا تأتي أهميته في بناء ديمقراطية حقيقية، فالإعلام ليس مجرد أداة للحصول على المعلومات، بل هو المصدر الأساسي لإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي. إنه الحافز المحرك لتطوير مجتمع مدني متماسك، قادر على مواجهة التحديات الكبرى.
عطفا على ذلك، يمكن القول إن بناء ديمقراطية حقيقية هو مشروع ثقافي بامتياز. فالانتقال من الديمقراطية الشكلية إلى الديمقراطية الجوهرية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ثقافة تقوم على الاعتراف بالآخر، وعلى قيم الحرية، والعدالة والمساواة. ولن يكون لهذا المشروع الثقافي أي قيمة إن لم يتجسد في تغيير حقيقي في مفاهيمنا السياسية والاجتماعية. لذا، فإن الفهم العميق لعلاقة الثقافة بالديمقراطية يعد أمرا حاسما لتحقيق هذا التحول.
الرئيسية















