بقلم : عدنان بنشقرون
لم تعد تسلطانت مجرد جماعة قروية على هامش مراكش. فهي تقع في الضواحي الجنوبية للمدينة الحمراء، على تماس مع قطاعات تعرف ارتفاعاً كبيراً في القيمة العقارية، وأصبحت من بين تلك المجالات التي تتقدم فيها المدينة بسرعة، أحياناً أسرع من القواعد التي يفترض أن تؤطرها.
في هذا السياق، جاء تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية ليعيد إحياء نقاش حساس : كيف تم منح رخص التعمير خلال السنوات الأخيرة في هذه الجماعة التي تخضع لضغط عقاري قوي؟ ووفق المعطيات الواردة، يشير المفتشون إلى عدة اختلالات مفترضة تمس التعمير والجبايات المحلية وربط الشبكات الأساسية، إضافة إلى استعمال ممتلكات تابعة للملك العام أو الخاص للدولة.
وبالتالي فإن الملف لا يختزل في خلل إداري معزول، بل يرسم آلية أعمق : آلية هوامش تستقطب المشاريع والمستثمرين وتغيير الاستعمالات والشهية العقارية، لكن قدرة المراقبة العمومية فيها تبدو قد وُضعت تحت ضغط شديد.
رخص تطرح تساؤلات حول سلسلة المراقبة
من بين العناصر الأكثر حساسية، يشير التقرير إلى ما لا يقل عن 144 رخصة لبناء تجزئات ومجموعات سكنية تم منحها دون شبكة للتطهير السائل، إضافة إلى 114 مشروعاً تمت المصادقة عليه دون ربط بالماء الصالح للشرب، وفق المعطيات المستقاة من وثيقة المفتشية.
هذه الأرقام، إذا تأكدت بكل تداعياتها الإدارية والقانونية، تطرح سؤالاً بسيطاً: هل يمكن السماح بتطور تجمعات سكنية دون ضمانات كافية بخصوص الخدمات الأساسية؟ فالتعمير ليس مجرد مخططات ومعاملات وتوقيعات، بل هو أولاً وعد أساسي للسكان بالعيش في فضاء صالح ومربوط ومؤطر وآمن.
كما يتطرق التقرير إلى اعتماد بعض المشاريع على آبار كبديل للتزود بالماء، مع تحفظات بخصوص التحقق من جودة المياه ومدى مطابقتها للمعايير الصحية، وهو ما يحول النقاش من مسألة تقنية إلى قضية صحة عامة ومسؤولية محلية مباشرة.
الجبايات المحلية : الخسارة غير المرئية
جانب آخر من الملف يتعلق بالجبايات. وأكثر الحالات تداولاً هي إعفاء ضريبي بقيمة 3,8 ملايين درهم لفائدة فاعل عقاري. لكن الإشكال أوسع من ذلك، إذ تشير المفتشية أيضاً إلى غياب جرد سنوي منتظم للأراضي غير المبنية، ما حرم الجماعة من موارد مالية مهمة خلال عدة سنوات.
في جماعة تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً، لا تعد الجبايات المحلية تفصيلاً محاسبياً. فهي تمول الطرق والإنارة والتطهير والتجهيزات العمومية، وأحياناً حتى الحد الأدنى من قدرة الجماعة على مواكبة وتيرة التوسع العمراني. وعندما يتغير المجال دون أن تؤمن الجماعة مواردها، يصبح الخلل خطيراً: ترتفع قيمة العقار، بينما يبقى المرفق العمومي المحلي ضعيف التمويل.
وهنا غالباً ما ينشأ الإحساس بالظلم. بعض المشاريع تتقدم. بعض الفاعلين يستفيدون من التراخيص. بينما السكان قد يظلون في انتظار طريق لائق أو ربط موثوق أو تسوية واضحة.
الملك العمومي : خط أحمر في الحكامة المحلية
يشير التقرير أيضاً إلى رخص تتعلق ببنايات شُيدت بشكل غير قانوني على الملك الخاص للدولة، إضافة إلى أكثر من 45 رخصة لأنشطة تجارية وسياحية منحت على ممتلكات تابعة للدولة دون استيفاء جميع شروط المطابقة أو الرأي الصحي.
هذه النقطة حساسة بشكل خاص. فعندما يصبح الملك العمومي أو الخاص للدولة فضاءً لأنشطة خاصة غير مؤطرة بشكل جيد، تصبح الحدود بين التساهل الإداري والترتيب المحلي والانحراف المؤسساتي ضبابية. وهذه الحدود أساسية لأنها تحمي المصلحة العامة وتمنع الاستحواذ على الفضاء المشترك من طرف فئة محدودة.
في مدينة مثل مراكش، حيث يتقاطع السياحة والعقار والإيواء والخدمات باستمرار، تصبح هذه اليقظة أكثر ضرورة. تحويل منزل إلى نشاط سياحي، رخصة تُمنح دون أساس واضح كافٍ، أو بناء يُسوى وضعه لاحقاً: كل استثناء يمكن أن يشكل سابقة، وكل سابقة قد تضعف القاعدة أكثر.
تسلطانت، عرض لمشكل أوسع
يأتي ملف تسلطانت في وقت تسعى فيه مراكش إلى ضبط أفضل لهوامشها. فالجماعة تتوفر على تصميم تهيئة منذ 2017، لكن عدة إكراهات عقارية ما تزال قائمة، خصوصاً في الدواوير حيث يوجد السكان أحياناً في وضعيات قانونية معقدة تعرقل البناء أو الترميم أو تسوية السكن.
هذا السياق مهم، لأنه يمنع قراءة سطحية للملف. فليس كل الاختلالات ناتجة بالضرورة عن نية خرق القانون، بل قد تتشكل في زوايا مهملة من مجال غير مضبوط، تحت ضغط ديمغرافي قوي، أو طلب حقيقي على السكن، أو إشكالات عقارية تاريخية معقدة.
لكن هذه التعقيدات لا يمكن أن تتحول إلى مبرر دائم. فكلما كانت الوضعية العقارية حساسة، وجب أن تكون القاعدة أوضح. وكلما زاد الطلب على العقار، وجب أن يكون المراقبة أقوى. وكلما تعرض المنتخبون للضغط المحلي، أصبحت الشفافية أكثر ضرورة.
المادة 64 : إشارة سياسية بقدر ما هي إدارية
وفق المعطيات المتوفرة، فإن المسطرة المعتمدة على أساس المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات تتيح للوالي طلب توضيحات كتابية من الرئيسة السابقة للمجلس الجماعي، مع إمكانية اللجوء إلى المحكمة الإدارية في حال وجود أفعال مخالفة للقانون.
لكن في هذه المرحلة، يجب التأكيد على أن تقرير التفتيش ليس حكماً نهائياً. ويجب أن يُمنح للأشخاص المعنيين حق الرد وتقديم حججهم والاستفادة من جميع الضمانات القانونية. فقرينة البراءة واحترام المساطر ليستا شكليات، بل هما جوهر دولة القانون.
لكن سياسياً، الإشارة واضحة. فوزارة الداخلية تبدو متجهة نحو تشديد المراقبة على تدبير الشأن الجماعي، خصوصاً في ملفات التعمير. تقارير أخرى للمفتشية العامة سبق أن رصدت اختلالات في عدة جماعات، من بينها منح رخص بشكل غير قانوني، أو ربطات كهربائية دون رخص السكن، أو تراخيص دون رأي الوكالة الحضرية.
هذا التوجه يعكس حقيقة أساسية : التعمير أصبح أحد أهم اختبارات الحكامة المحلية في المغرب.
مراكش 2030 : الضرورة لمدينة أكثر ضبطاً
تستعد مراكش لاستحقاقات كبرى، خصوصاً في إطار الدينامية المرتبطة بكأس العالم 2030. هذا الأفق يفرض تسريع البنيات التحتية، وتحديث الولوجيات، وتحسين العرض الحضري والسياحي. لكنه يفرض أيضاً مطلباً أقل بروزاً وأكثر عمقاً: إعادة النظام إلى الهوامش.
يُقدم المخطط التوجيهي المستقبلي لتهيئة المجال الحضري لمراكش الكبرى كأداة استراتيجية للحد من التوسع العمراني، وحماية المجالات الفلاحية والطبيعية، وتنظيم النقل وبرمجة التجهيزات الكبرى.
وهنا ربما تتضح أهمية ملف تسلطانت. فهو لا يتحدث عن جماعة فقط، بل عن قدرة المغرب الحضري على النمو دون فوضى، واستقطاب الاستثمار دون إضعاف القاعدة، والبناء بسرعة دون بناء عشوائي.
فالجواب لن يأتي فقط من العقوبات المحتملة، بل أساساً من قدرة المؤسسات المحلية على إعادة بناء قاعدة واضحة وعادلة ومطبقة على الجميع. لأن التعمير في الهوامش، كما في غيرها، ليس محايداً: إنه يروي مسبقاً شكل المدينة التي نُعدّها.
الرئيسية















