سعيد حميش بلعربي… مسار منتج يعبر إلى الإخراج
من مواليد فاس سنة 1986، يقيم سعيد حميش بلعربي اليوم بفرنسا، حيث راكم تجربة مهمة كمنتج سينمائي، مكنته من نسج شبكة علاقات مهنية واسعة، سمحت لأفلام مغربية عديدة بحضور لافت في مهرجان “كان” الدولي. هذا الانفتاح على السينما المغربية، كمنتج أولًا، توازى مع اشتغاله كمخرج على سيناريوهات تنشغل بأسئلة الهوية في عالم معولم، موسوم بالتحولات، التمزقات، والعودة القوية للذات الثقافية.
من «العودة إلى بولين» إلى «البحر هناك»: هجرة بلا كليشيهات
من خلال فيلميه «العودة إلى بولين» (2014) و**«البحر هناك» (2024)**، يقارب حميش الهجرة لا من زاوية سوسيولوجية مباشرة، بل بوصفها تجربة ثقافية-وجودية، مشبعة بالإحباط، لكنها لا تخلو من أفق مفتوح. إنها سينما désenchantement، سينما خيبة، لكنها متعاطفة مع شخصياتها، تمنحها الحق في التردد، السقوط، وإعادة المحاولة.
افتتاح بصري يؤسس لثنائية القطيعة والاندماج
يفتتح الفيلم بمشهدين بالغَي الدلالة:
الأول، لقطة لتموجات البحر، يتوسطها “نور” فوق سفينة، بنظرة حزينة نحو الأفق، تقابلها صورة مدينة طنجة مشرقة تحت سماء صافية.
المشهد الثاني، ليلي مظلم، داخل سيارة مكتظة، حيث يستعد نور رفقة أصدقائه لتنفيذ عملية سطو. بهذا التقطيع البصري، يؤسس الفيلم لثنائية مركزية: القطيعة مقابل الاندماج، السكينة مقابل الخطر، الأصل مقابل المجهول. نور، “الحراگ”، يبدأ مسار انفصال عن الجذور في سبيل مغامرة اندماج محفوفة بالمخاطر.
سرد تكويني على طريقة الرواية الكلاسيكية
يعتمد «البحر هناك» بنية سردية مستوحاة من الرواية التكوينية، حيث يمتد الزمن الدرامي على عقد كامل من التسعينيات، وهي مرحلة مفصلية ثقافيًا واجتماعيًا في فرنسا. لا يسير الزمن هنا خطيًا، بل كشبكة تربط المصير الفردي بتحولات المجتمع (صعود موسيقى الراي، كأس العالم 1998، تغيرات مرسيليا). تم تقسيم الفيلم إلى أربعة فصول وخاتمة، يتمحور كل فصل حول أحد أضلاع المثلث الدرامي: نور، سرج، نويمي، قبل أن يصل السرد إلى فشل مشروع العودة، وخاتمة تشبه بيانًا ثقافيًا معلقًا بين الإحباط والأمل.
نور… من انعدام الهوية إلى اختبار الذات
عقب وصوله، يعيش نور في هامش الهامش: بلا أوراق، بلا هوية. وعندما يتم توقيف مجموعته، يختار أن يقدم نفسه كمواطن برتغالي باسم “بابلو”، في أول تنازل رمزي عن الذات. تتوالى السقوطات إلى أن يصل إلى القاع الاجتماعي، في مشهد مكالمة هاتفية مؤثرة مع والدته، تشكل لحظة وعي بالفشل.
سرج ونويمي… الاندماج بثمن أخلاقي
لقاء نور بمفتش الشرطة سرج وزوجته نويمي يفتح مسارًا جديدًا للاختبار الهوياتي. علاقة ملتبسة، تتجلى ذروتها في مشهد حرق جواز سفر نور الأصلي. لحظة صامتة، قاسية، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل الاندماج يقتضي القطع مع الجذور؟ البدء من الصفر؟ يتعزز هذا السؤال حين يقترح سرج، في تعاطف ملغوم، إيواء نور في إقامة خاصة بالمتحولين جنسيا، في لعبة دلالية ذكية بين التحول البيولوجي والتحول الإداري. يرفض نور، ويفشل هذا المسار مع موت سرج، في إحالة رمزية على سنوات السيدا.
العودة الفاشلة… حين لا يكون الوطن ملاذًا
تظل المرأة ملاذًا عاطفيًا مؤقتًا، لكن المسار التكويني لا يكتمل. فعودة نور إلى وجدة تصطدم بالعائلة، وبنفور الصديقة الأولى، ما يدفعه في لحظة إحباط قصوى إلى محاولة إحراق جواز سفره الجديد.
السؤال يتجدد: هل ثمن الاندماج هو النسيان؟
من مواليد فاس سنة 1986، يقيم سعيد حميش بلعربي اليوم بفرنسا، حيث راكم تجربة مهمة كمنتج سينمائي، مكنته من نسج شبكة علاقات مهنية واسعة، سمحت لأفلام مغربية عديدة بحضور لافت في مهرجان “كان” الدولي. هذا الانفتاح على السينما المغربية، كمنتج أولًا، توازى مع اشتغاله كمخرج على سيناريوهات تنشغل بأسئلة الهوية في عالم معولم، موسوم بالتحولات، التمزقات، والعودة القوية للذات الثقافية.
من «العودة إلى بولين» إلى «البحر هناك»: هجرة بلا كليشيهات
من خلال فيلميه «العودة إلى بولين» (2014) و**«البحر هناك» (2024)**، يقارب حميش الهجرة لا من زاوية سوسيولوجية مباشرة، بل بوصفها تجربة ثقافية-وجودية، مشبعة بالإحباط، لكنها لا تخلو من أفق مفتوح. إنها سينما désenchantement، سينما خيبة، لكنها متعاطفة مع شخصياتها، تمنحها الحق في التردد، السقوط، وإعادة المحاولة.
افتتاح بصري يؤسس لثنائية القطيعة والاندماج
يفتتح الفيلم بمشهدين بالغَي الدلالة:
الأول، لقطة لتموجات البحر، يتوسطها “نور” فوق سفينة، بنظرة حزينة نحو الأفق، تقابلها صورة مدينة طنجة مشرقة تحت سماء صافية.
المشهد الثاني، ليلي مظلم، داخل سيارة مكتظة، حيث يستعد نور رفقة أصدقائه لتنفيذ عملية سطو. بهذا التقطيع البصري، يؤسس الفيلم لثنائية مركزية: القطيعة مقابل الاندماج، السكينة مقابل الخطر، الأصل مقابل المجهول. نور، “الحراگ”، يبدأ مسار انفصال عن الجذور في سبيل مغامرة اندماج محفوفة بالمخاطر.
سرد تكويني على طريقة الرواية الكلاسيكية
يعتمد «البحر هناك» بنية سردية مستوحاة من الرواية التكوينية، حيث يمتد الزمن الدرامي على عقد كامل من التسعينيات، وهي مرحلة مفصلية ثقافيًا واجتماعيًا في فرنسا. لا يسير الزمن هنا خطيًا، بل كشبكة تربط المصير الفردي بتحولات المجتمع (صعود موسيقى الراي، كأس العالم 1998، تغيرات مرسيليا). تم تقسيم الفيلم إلى أربعة فصول وخاتمة، يتمحور كل فصل حول أحد أضلاع المثلث الدرامي: نور، سرج، نويمي، قبل أن يصل السرد إلى فشل مشروع العودة، وخاتمة تشبه بيانًا ثقافيًا معلقًا بين الإحباط والأمل.
نور… من انعدام الهوية إلى اختبار الذات
عقب وصوله، يعيش نور في هامش الهامش: بلا أوراق، بلا هوية. وعندما يتم توقيف مجموعته، يختار أن يقدم نفسه كمواطن برتغالي باسم “بابلو”، في أول تنازل رمزي عن الذات. تتوالى السقوطات إلى أن يصل إلى القاع الاجتماعي، في مشهد مكالمة هاتفية مؤثرة مع والدته، تشكل لحظة وعي بالفشل.
سرج ونويمي… الاندماج بثمن أخلاقي
لقاء نور بمفتش الشرطة سرج وزوجته نويمي يفتح مسارًا جديدًا للاختبار الهوياتي. علاقة ملتبسة، تتجلى ذروتها في مشهد حرق جواز سفر نور الأصلي. لحظة صامتة، قاسية، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل الاندماج يقتضي القطع مع الجذور؟ البدء من الصفر؟ يتعزز هذا السؤال حين يقترح سرج، في تعاطف ملغوم، إيواء نور في إقامة خاصة بالمتحولين جنسيا، في لعبة دلالية ذكية بين التحول البيولوجي والتحول الإداري. يرفض نور، ويفشل هذا المسار مع موت سرج، في إحالة رمزية على سنوات السيدا.
العودة الفاشلة… حين لا يكون الوطن ملاذًا
تظل المرأة ملاذًا عاطفيًا مؤقتًا، لكن المسار التكويني لا يكتمل. فعودة نور إلى وجدة تصطدم بالعائلة، وبنفور الصديقة الأولى، ما يدفعه في لحظة إحباط قصوى إلى محاولة إحراق جواز سفره الجديد.
السؤال يتجدد: هل ثمن الاندماج هو النسيان؟
الرئيسية



















































