تجربة الممثل الأمريكي ماثيو ماكونهيي تحمل دلالة قوية. لم ينتظر أن يطيح به «ديب فايك» واسع الانتشار ليُبادر إلى الرد. بل قام رسميًا بتسجيل صورته وصوته لدى مؤسسة الملكية الفكرية في الولايات المتحدة، واضعًا أساسًا قانونيًا واضحًا يجعل أي استعمال غير مرخّص قابلًا للطعن الفوري. الأمر لا يتعلق بنزوة فنية ولا باستعراض إعلامي، بل باستراتيجية دفاعية عقلانية تتلاءم مع زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي.
في المقابل، كم عدد السياسيين في المغرب الذين استوعبوا فعليًا حجم هذا الخطر؟ القليل جدًا. والحال أن الحملات الانتخابية الحديثة تشكّل بيئة مثالية للتلاعب الخوارزمي: فيديوهات مفبركة، تسجيلات صوتية مزوّرة، صور مبتورة من سياقها، ومونتاجات تنتشر بسرعة هائلة عبر واتساب أو تيك توك أو فيسبوك. صحيح أن القانون يمكنه المعاقبة بعد وقوع الضرر، لكنه لا يمنع الصدمة الأولى، التي غالبًا ما تكون آثارها غير قابلة للإصلاح في وعي الرأي العام.
السؤال الجوهري إذن لا يقتصر على «كيف نمنع؟» بل يتجاوز ذلك إلى «كيف نحمي أنفسنا؟». التسجيل القانوني للصورة والصوت والملامح البيومترية لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، إنشاء بصمات رقمية مرجعية، وإرساء آليات رصد تكنولوجي قادرة على اكتشاف حالات الانتحال في الزمن الحقيقي… هذا هو الحد الأدنى الجديد المطلوب من المسؤول السياسي في القرن الحادي والعشرين. تجاهل ذلك لم يعد سذاجة، بل تهورًا حقيقيًا.
هناك أيضًا بُعد رمزي لا يقل أهمية. فمبادرة السياسيين إلى اتخاذ هذه الخطوات الاستباقية ستبعث برسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تهديد يجب تطويقه بالقانون، بل منظومة ينبغي فهم آلياتها للحد من انحرافاتها. وهذا يفترض حدًا أدنى من الثقافة الرقمية، التي لا تزال، للأسف، شبه غائبة عن المشهد السياسي المغربي، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي غالبًا كشعار فضفاض أو خطر نظري.
ومع اقتراب سنة 2026، لن تُختبر الديمقراطية المغربية فقط داخل صناديق الاقتراع، بل أيضًا داخل التدفقات الرقمية. من يعتقد أن بيانًا توضيحيًا أو نفيًا متأخرًا كافٍ لمواجهة «ديب فايك» إنما يسيء تقدير زمنه. الاستباق أصبح فعلًا سياسيًا بحد ذاته، والصمت أو التراخي في هذا المجال هو، في حد ذاته، مجازفة محسوبة العواقب.
ويبقى في النهاية طرح الأسئلة المقلقة ولكن الضرورية :
هل يتوفر المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية اليوم على الأسس القانونية والتقنية والعملية الكفيلة بتسجيل وحماية الصوت والصورة والهوية الرقمية في مواجهة استعمالات الذكاء الاصطناعي؟ ما دامت هذه النقطة غير محسومة، ستظل الوقاية مجرد خطاب، وسيبقى القانون شبكة أمان تُنصب بعد فوات الأوان.
أم هل ينبغي، بشكل أكثر جرأة ووضوحًا، مراجعة الإطار القانوني على وجه السرعة وإسناد هذه المهمة إلى المكتب المغربي لحماية حقوق المؤلف؟ ففي زمن أصبحت فيه الصورة والصوت أعمالًا قابلة للاستغلال والتلاعب وحتى التسويق بواسطة الآلات، تتلاشى الحدود بين الإبداع والهوية والحقوق المجاورة. عدم مواكبة هذا التحول يعني ترك الفراغ القانوني يحسم بدلًا عن المشرّع.
في المقابل، كم عدد السياسيين في المغرب الذين استوعبوا فعليًا حجم هذا الخطر؟ القليل جدًا. والحال أن الحملات الانتخابية الحديثة تشكّل بيئة مثالية للتلاعب الخوارزمي: فيديوهات مفبركة، تسجيلات صوتية مزوّرة، صور مبتورة من سياقها، ومونتاجات تنتشر بسرعة هائلة عبر واتساب أو تيك توك أو فيسبوك. صحيح أن القانون يمكنه المعاقبة بعد وقوع الضرر، لكنه لا يمنع الصدمة الأولى، التي غالبًا ما تكون آثارها غير قابلة للإصلاح في وعي الرأي العام.
السؤال الجوهري إذن لا يقتصر على «كيف نمنع؟» بل يتجاوز ذلك إلى «كيف نحمي أنفسنا؟». التسجيل القانوني للصورة والصوت والملامح البيومترية لدى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، إنشاء بصمات رقمية مرجعية، وإرساء آليات رصد تكنولوجي قادرة على اكتشاف حالات الانتحال في الزمن الحقيقي… هذا هو الحد الأدنى الجديد المطلوب من المسؤول السياسي في القرن الحادي والعشرين. تجاهل ذلك لم يعد سذاجة، بل تهورًا حقيقيًا.
هناك أيضًا بُعد رمزي لا يقل أهمية. فمبادرة السياسيين إلى اتخاذ هذه الخطوات الاستباقية ستبعث برسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تهديد يجب تطويقه بالقانون، بل منظومة ينبغي فهم آلياتها للحد من انحرافاتها. وهذا يفترض حدًا أدنى من الثقافة الرقمية، التي لا تزال، للأسف، شبه غائبة عن المشهد السياسي المغربي، حيث يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي غالبًا كشعار فضفاض أو خطر نظري.
ومع اقتراب سنة 2026، لن تُختبر الديمقراطية المغربية فقط داخل صناديق الاقتراع، بل أيضًا داخل التدفقات الرقمية. من يعتقد أن بيانًا توضيحيًا أو نفيًا متأخرًا كافٍ لمواجهة «ديب فايك» إنما يسيء تقدير زمنه. الاستباق أصبح فعلًا سياسيًا بحد ذاته، والصمت أو التراخي في هذا المجال هو، في حد ذاته، مجازفة محسوبة العواقب.
ويبقى في النهاية طرح الأسئلة المقلقة ولكن الضرورية :
هل يتوفر المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية اليوم على الأسس القانونية والتقنية والعملية الكفيلة بتسجيل وحماية الصوت والصورة والهوية الرقمية في مواجهة استعمالات الذكاء الاصطناعي؟ ما دامت هذه النقطة غير محسومة، ستظل الوقاية مجرد خطاب، وسيبقى القانون شبكة أمان تُنصب بعد فوات الأوان.
أم هل ينبغي، بشكل أكثر جرأة ووضوحًا، مراجعة الإطار القانوني على وجه السرعة وإسناد هذه المهمة إلى المكتب المغربي لحماية حقوق المؤلف؟ ففي زمن أصبحت فيه الصورة والصوت أعمالًا قابلة للاستغلال والتلاعب وحتى التسويق بواسطة الآلات، تتلاشى الحدود بين الإبداع والهوية والحقوق المجاورة. عدم مواكبة هذا التحول يعني ترك الفراغ القانوني يحسم بدلًا عن المشرّع.
الرئيسية















