كتاب الرأي

اتفاق أميركا وإيران هل باع ترامب إسرائيل ؟


يفتح الاتفاق المؤقت المبرم بين واشنطن وطهران نافذة تمتد ستين يوماً للتفاوض حول مخرج دائم من النزاع، بعد أشهر من المواجهة التي طالت إيران والخليج وطرق الملاحة البحرية، وانعكست تداعياتها، بصورة غير مباشرة، على الاقتصاد العالمي برمّته. فوقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، واحتمال التخفيف التدريجي للعقوبات، تمثل مكاسب حقيقية. غير أنه لا ينبغي الخلط بينها وبين تسوية تاريخية شاملة. فهي، قبل كل شيء، تنظم هدنة مؤقتة.



​إيران – الولايات المتحدة: سلامٌ معلّق ونارٌ تحت السيطرة

تكمن قوة هذا الترتيب تحديداً في غموضه. فقد وافق الطرفان على وقف العمليات العسكرية، وإعادة حركة التجارة عبر مضيق هرمز، واستئناف التفاوض بشأن الملف النووي الإيراني والعقوبات وآليات التحقق. لكن المذكرة لا تحسم القضايا الكبرى التي جعلت من الشرق الأوسط مسرحاً دائماً للصراعات: القدرات الصاروخية الإيرانية، ودور حلفاء طهران الإقليميين، وأمن إسرائيل، والوضع في لبنان، والوجود الأميركي، وإعادة تشكيل موازين القوى في الخليج.

 
هنا تحديداً تكمن النقطة العمياء في اللحظة الراهنة: يجري التعامل مع الاستعجال، لا مع البنية الحقيقية للنزاع.

ليس هذا سلاماً بعد. إنه مجرد تعليقٍ للحريق

تريد واشنطن أن تثبت قدرتها على فرض خفض للتصعيد من دون الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة. أما طهران فتسعى إلى تحويل صمودها العسكري والدبلوماسي إلى ورقة تفاوض، وإلى بوابة لإعادة الانفتاح الاقتصادي والاعتراف بثقلها الإقليمي. وبين الطرفين، بدأ كل طرف يعلن انتصاره. غير أن الاتفاق الذي يُقدَّم في الوقت ذاته على أنه انتصار للجميع يعني، في الغالب، أنه ترك القضايا الأكثر انفجاراً بلا حل.

ويجسد مضيق هرمز هذه الحقيقة بوضوح. فهو ليس مجرد ممر بحري، بل مقياس لميزان القوى العالمي. وإعادة فتحه تشكل ارتياحاً للأسواق وشركات التأمين والناقلين والاقتصادات المعتمدة على الطاقة. لكن النقاش حول رسوم عبور محتملة أو أعباء بحرية جديدة يظهر أن طهران تسعى أيضاً إلى تحويل ميزتها الجغرافية إلى أداة للسيادة السياسية والمالية. لذلك، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت السفن ستعبر، بل يتجاوز ذلك إلى معرفة شروط العبور، والجهة التي تفرضها، والنظام الإقليمي الذي سيحكمها.

أما البعد الحاسم الآخر فهو اقتصادي. فمشروع صندوق خاص لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة ثلاثمائة مليار دولار، قد يضم أطرافاً أميركية وخليجية وآسيوية وإفريقية وأميركية جنوبية، يكشف أن المفاوضات لا تتعلق فقط بأجهزة الطرد المركزي أو الصواريخ. إنها تتصل أيضاً بإمكانية إعادة إدماج إيران في شبكات الاستثمار والطاقة واللوجستيك والصناعة. وتشير مصادر نقلتها وكالة رويترز إلى أن أكثر من نصف هذه المبالغ قد تم التعهد بها بالفعل. غير أن هذا المسار يبقى مشروطاً باتفاق أوسع وبالتزامات إيرانية قابلة للتحقق.

وربما هنا يتجسد الرهان الأميركي الحقيقي: استبدال منطق المصالح الاقتصادية بمنطق الحرب الدائمة. لكن المشكلة هي أن أي استثمار، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع وحده تفكيك صراعات السيادة، والجروح الإيديولوجية، والحسابات الأمنية، وذاكرة الحروب.

تبقى إسرائيل، على وجه الخصوص، في قلب هذه الهشاشة. فبالنسبة للدولة العبرية، لا قيمة لأي تهدئة بين واشنطن وطهران ما لم تفضِ إلى ضمانات ملموسة بشأن البرنامج النووي والقدرات الصاروخية والأذرع المسلحة المرتبطة بإيران. أما بالنسبة لطهران وحلفائها، فإن أي مطالبة بنزع سلاح أحادي الجانب تُقرأ باعتبارها محاولة لتفكيك سياسي مغلف بشعار الاستقرار الإقليمي. وهكذا يبقى لبنان نقطة انكسار محتملة: مساحة يمكن أن تقلب فيها ضربة أو خطأ في التقدير أو استفزاز، هدنة دبلوماسية إلى دوامة عسكرية جديدة.

والدرس الحقيقي هو أن الحروب الحديثة لم تعد تنتهي بتوقيع واضح يتبعه عودة سريعة إلى النظام. إنها تتحول إلى مراحل متلاحقة: وقف إطلاق نار، ثم مفاوضات، فعقوبات مشروطة، فضمانات ناقصة، ثم عودة للتوتر، فمفاوضات جديدة. ويصبح النزاع، في النهاية، إدارة دائمة لعدم الاستقرار.

لذلك سيكون من التسرع الاحتفال سريعاً بـ«عصر جديد». فقد يفتح الاتفاق الحالي طريقاً نحو سلام أكثر صلابة، إذا أعاد الملف النووي إلى رقابة موثوقة، وأمّن حرية الملاحة، وأوجد آليات للحوار الإقليمي. لكنه قد يكون أيضاً مجرد استراحة استراتيجية، يستخدمها كل طرف لإعادة ترتيب مواقعه، وتعزيز تحالفاته، والتحضير للمرحلة التالية من المواجهة.

لن يولد السلام فقط من خفض تخصيب اليورانيوم أو رفع بعض العقوبات. بل سيعتمد على تحول أعمق: قدرة القوى الإقليمية على قبول حقيقة أن أياً منها لا يستطيع فرض نظامه بمفرده وبشكل دائم على الشرق الأوسط.

إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يغلق الأزمة، بل ينقلها إلى مساحة جديدة. إنه يمنح وقتاً، وهذا أمر ثمين. لكن الوقت لا يصبح حلاً حين لا يتحول إلى سياسة.

 
وفي هذه المنطقة، ما تزال السياسة هي الاسم الأصعب للسلام.




الجمعة 19 يونيو 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic