كتاب الرأي

​قراءتي النقدية في خمسة محاور لآخر كتب ألان باوير حول دونالد ترامب




بقلم : عدنان بنشقرون

في هذا المقال، أقدّم قراءة نقدية في خمسة محاور لكتاب ألان باوير، الكاتب والباحث المتخصص في علم الإجرام، المعنون «ترامب، سلطة الكلمات». قراءة تسعى إلى مساءلة أطروحاته، لا من باب الرفض، بل عبر تفكيك مناطقها العمياء، ورصد تناقضاتها الداخلية وحدودها التحليلية، مع التزام صارم بمضامين الكتاب نفسه وعدم الخروج عن إطاره المرجعي.

1. “الاستراتيجية الواعية”: هل جرى تضخيم القصدية؟

ينطلق ألان باوير من فرضية مفادها أن تبسيط دونالد ترامب لخطابه السياسي هو خيار استراتيجي واعٍ، يكاد يكون ميكيافيلياً. فرضية جذابة من حيث تماسكها الداخلي، لكنها تقوم على إسناد أقصى درجات القصدية لسلوك لغوي قد يكون أكثر تعقيداً مما يبدو. ففي مجال التواصل السياسي، لا تكون التحولات الأسلوبية دائماً نتاج حساب عقلاني بارد، بل قد تنجم أيضاً عن تكيّف تدريجي وتجريبي، وأحياناً فوضوي، مع ردود فعل الجمهور وإيقاع الإعلام.

لا يوجد ما يثبت بشكل قاطع أن ترامب نظّر مسبقاً لما يمكن تسميته «التراجع المعجمي» ضمن خطة مدروسة. من الممكن، وبالقدر نفسه من المعقولية، أنه عزز تلقائياً ما أثبت فعاليته: جُمل قصيرة، مبالغات، وعبارات صادمة. بعبارة أخرى، قد تكون الفعالية سبقت الاستراتيجية، لا العكس. والفرق هنا جوهري: في الحالة الأولى، يكون ترامب مهندساً لغوياً، وفي الثانية، فاعلاً خطابياً انتهازياً شديد التفاعل، لكنه ليس مخططاً شاملاً.

من خلال تضخيم منسوب التماسك الاستراتيجي، قد يقع باوير في فخ عقلنة لاحقة لسلوكيات تحكمها في الواقع حدسية قوية، وربما اندفاعية. الخطر التحليلي واضح: تحويل ظاهرة مفتوحة ومتغيرة إلى نظام مغلق. هذا النقد لا يبرّئ ترامب، لكنه يمنع تحويله إلى أسطورة عن «استراتيجي كليّ المعرفة» في ميدان اللغة السياسية.

2. روي كوهن: نسبٌ تفسيري قد يكون مبسّطاً أكثر من اللازم

يحتل تأثير روي كوهن موقعاً مركزياً في تحليل باوير. ورغم أن هذه العلاقة موثّقة تاريخياً، فإن وزنها التفسيري يظل قابلاً للنقاش. فاعتبار كوهن المرجعية شبه الوحيدة لما يسميه باوير «الترامبية اللغوية» ينطوي على شخصنة مفرطة لظاهرة تندرج أيضاً ضمن تحولات بنيوية عميقة في المشهد الإعلامي والسياسي الأمريكي.

خشونة الخطاب السياسي سبقت ترامب وتتجاوز شخصه. البرامج الحوارية المستقطبة، القنوات الإخبارية ذات التوجه الأيديولوجي، الإذاعات المحافظة، وشبكات التواصل الاجتماعي، كلها ساهمت منذ عقود في تشجيع الصدام، التبسيط، وبناء صورة العدو. ترامب برع في استغلال هذا السياق، لكنه لم يخترعه. اختزال هذا التحول في إرث روي كوهن يعني التقليل من شأن العوامل النسقية لصالح سردية بيوغرافية جذابة.

إضافة إلى ذلك، فإن فكرة التزام ترامب الصارم بـ«قواعد كوهن الخمس» تصطدم بوقائع كثيرة: ارتجال دائم، تناقضات متكررة، تراجعات مفاجئة، وتصحيحات حادة لتصريحاته السابقة. هذا الاضطراب الخطابي يضعف صورة التلميذ المنضبط الذي يطبق تعليماً عقائدياً بحذافيره. الأرجح أن ترامب استلهم من كوهن أسلوب المواجهة العامة، دون أن يتحكم تماماً في آثاره بعيدة المدى.

3. المعجم كسلاح: فعالية حقيقية أم وهم أدائي؟

ينسب باوير إلى كلمات ترامب قدرة شبه مستقلة على تشكيل إدراك الواقع على المدى الطويل. هذا المنظور السيميولوجي، رغم غناه، قد يبالغ في تقدير سلطة اللغة على حساب النتائج الملموسة. فالتجربة السياسية تظهر أن الأداء الخطابي يصطدم عاجلاً أم آجلاً بقيود الواقع المادي والمؤسسي.

القول إن نظاماً ما «معطّل» لا يعني إصلاحه. ووصف سياسة بأنها «جميلة» لا يضمن فعاليتها أو قبولها المستدام. رئاسة ترامب نفسها كشفت هذا التوتر بوضوح: العديد من الإعلانات الصاخبة اصطدمت بتعقيدات المؤسسات، القضاء، والعلاقات الدولية. اللغة تصدم وتحرّك وتستقطب، لكنها لا تحكم وحدها.

من خلال التركيز على البعد التنويمي للكلمات، قد يغفل باوير عن خيبة الأمل التدريجية التي أصابت جزءاً من الناخبين حين واجهوا الفجوة بين الوعد الخطابي والواقع السياسي. الكلمة تستطيع أن تفتح الطريق إلى السلطة، لكنها قد تستنزف رصيدها أيضاً. فالتشبع اللفظي يقود في النهاية إلى الإرهاق، وربما إلى الشك، حتى لدى أكثر المؤيدين حماسة.

4. “أمريكا أولاً”: شعار جامع أم مفهوم ضبابي؟

يقدّم باوير شعار America First باعتباره مبدأً منظّماً متماسكاً. غير أن هذا الشعار يعاني من غموض بنيوي يميل الكاتب إلى التقليل من شأنه. هل يعني الحمائية؟ الانعزالية؟ الإمبريالية الصريحة؟ أم مجرد أولوية خطابية؟ بحسب السياق، يعطي ترامب نفسه تفسيرات متناقضة.

هذه المرونة، التي تُقدَّم غالباً كقوة، قد تكون أيضاً دليلاً على فراغ عقائدي. فالشعار القادر على أن يعني كل شيء، قد ينتهي إلى ألا ينظم شيئاً فعلياً. عملياً، تذبذبت السياسة الخارجية لترامب بين الانسحاب المفاجئ واستعراض القوة، وبين خطاب سيادي والارتهان المستمر لموازين القوة التقليدية.

التشكيك في America First لا يعني إنكار أثره الرمزي، بل التذكير بأن اللغة قد تخفي لا تماسكاً استراتيجياً، بل تساهم في إدامته. حيث يرى باوير رؤية عالمية متكاملة، يمكن أيضاً رؤية مجموعة من الوضعيات التكيفية المتناقضة، يجمعها فقط مردودها الإعلامي الآني.

5. قطيعة دائمة في الخطاب السياسي: هل هي فعلاً بلا رجعة؟

أخيراً، يلمّح باوير إلى أن ترامب أحدث تحوّلاً دائماً في قواعد الخطاب السياسي، بحيث بات الرجوع إلى ما قبلها مستحيلاً. هذه الأطروحة، رغم شيوعها، تستحق التهدئة. فالتاريخ السياسي يبيّن أن الأساليب الخطابية دورية، تتفاعل مع إفراطات المراحل السابقة. فحين يبلغ الصدام ذروته، تنشأ غالباً رغبة اجتماعية في التهدئة، والتقنية، والرصانة.

إسناد تحول لا رجعة فيه إلى ترامب يمنحه مركزية تاريخية مفرطة. وقد يظهر «الترامبية اللغوية» لاحقاً كفصل مبالغ فيه يعكس أزمة محددة – أزمة الثقة في الديمقراطية – أكثر مما يعكس حالة دائمة للنظام السياسي.

بعبارة أخرى، الخطاب السياسي لا يتجمّد عند شخص، مهما كان صاخباً. إنه يتحول، يُراجع ذاته، ويعيد التوازن. حيث يرى باوير قطيعة نهائية، يمكن الدفاع عن فرضية اختلال مرحلي، آثاره حقيقية، لكنها ليست قدراً محتوماً ولا غير قابل للتراجع.




الاحد 25 يناير 2026

في نفس الركن
< >

السبت 24 يناير 2026 - 22:35 راحة سوء الفهم


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic