كتاب الرأي

​سبتة ومليلية: هل تتحمّل أوروبا وحدها مسؤولية تأمين المدينتين؟

أمام مطالب بروكسيل بشأن تدبير الهجرة، هل يعيد المغرب تحديد تعاونه مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي على أساس المعاملة بالمثل؟


تعيد أزمة الهجرة في سبتة طرح مسؤولية مراقبة الحدود بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. فتأكيد بروكسيل الانتماء الأوروبي للمدينة يضع مسؤولية تأمينها في صلب النقاش أيضاً. ويرى عزيز بوستة أن هذا الموقف يستدعي من الرباط مراجعة شروط تعاونها في مجال الهجرة، والدفاع عن مصالحها، وإعادة مساءلة الالتزامات المطلوبة منها باسم الشراكة مع أوروبا.



بقلم عزيز بوستة إذا كانت سبتة أوروبية، فعلى الاتحاد الأوروبي أن يتحمّل مسؤوليتها

ما زالت النزعة الاستعمارية تطلّ بقوة من مواقف أوروبا وممارساتها. ففي ملف سبتة ومليلية والجزر المجاورة، تنحاز إلى إسبانيا
وإلى ماضٍ انقضى، ولم يعد منسجماً مع عصرنا.

تقع المدينتان في إفريقيا، لكن أوروبا تعتبرهما جزءاً منها. وهي تدافع، في القرار نفسه ومن دون انشغال كبير باتساق مواقفها، عن إسبانية هذه الأراضي، وتنتقد بشدة الحكومة الإسبانية بسبب سياساتها الداخلية، ثم توجّه اللوم إلى المغرب، بعبارات مهذبة نعم، لكنها تظلّ لوماً، حين تدعو سلطاته إلى تحمّل مسؤولياتها بوصفها شريكاً رئيسياً للاتحاد الأوروبي، والوفاء بالتزاماتها في تدبير الحدود والعودة والتعاون في مجال الهجرة.

ومن النتائج التي أفرزتها أزمة سبتة أنها، إلى جانب إشكالية الهجرة المركزية، بدأت تفتح النقاش بشأن تبعية المدينتين لإسبانيا. فالقضية تتدوّل، ويتسع نطاقها ليشمل المضيق وقانون البحار، وتجد مكانها في الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة في عهد ترامب، وبالتأكيد لدى من سيخلفونه.

لقد تحدّث وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عن «العمى الاستراتيجي» لإسبانيا، ولم يكن مخطئاً. فمدريد هي التي دوّلت الأزمة واستنجدت بالأوروبيين. ويبدو أن خطوتها ارتدّت عليها، إذ لن تعود الأمور، بالنسبة إلى المدينتين والجزر التابعة لهما، إلى ما كانت عليه.
في 16 شتنبر، أعلنت أورسولا فون دير لاين، في خطاب واضح أمام البرلمان الأوروبي، أن حدود سبتة حدود أوروبية، لأن سبتة إسبانية وأوروبية، مؤكدة أن أوروبا ستكون إلى جانب إسبانيا.

حسناً، فلتتولَّ أوروبا أمرها: تموينها، وتحمّل نفقاتها، وحمايتها، وخصوصاً حماية حدودها.
سبتة مدينة خاضعة للسيادة الإسبانية، لكنها تقع في إفريقيا، على أرض مغربية. وقد عاشت دائماً من علاقاتها بالمغرب، واستطاعت البقاء حين انقطعت تلك العلاقات. وكان المغرب، بشكل من الأشكال، يموّل استمرار هذا الموروث ويحافظ عليه؛ موروث يعود إلى زمن الفتوحات المنقضي، بل إلى مرحلة سابقة للاستعمار، وإن كان ذلك لا يغيّر شيئاً من واقع الحال.
وإذا كان الإسبان والأوروبيون يعتبرون هذا التراب أوروبياً ويتمسكون بذلك، فعليهم أن يتحمّلوا مسؤوليته وحمايته.
بأي حق، وبأي منطق، واستناداً إلى أي مبادئ، يُطلب من المغرب أن يتحوّل إلى حارس بوابة، وأن يجعل من شماله منطقة استنفار أمني لمساعدة أوروبا على التحصّن خلف حواجزها؟ تستعيد القارة العجوز ردود فعلها القديمة، لكن المغرب الجديد مطالب بدوره باعتماد قواعد جديدة.

وعلى أي أساس؟ على أساس المعاملة بالمثل.
الاندماج الإفريقي في مواجهة الحواجز الأوروبية
ينحاز الاتحاد الأوروبي، في ممارسته، إلى إسبانيا، وذلك حقه. لكن المغرب وإفريقيا يتجهان، في تصورهما للمستقبل، تدريجياً نحو إرساء إطار قانوني إفريقي يتيح حرية تنقّل الأشخاص.
فلماذا ينبغي تأخير الاندماج الإفريقي وعرقلته إرضاءً لقارة عجوز تصرّ على إقامة الحواجز أمام التنقّل؟
وشهد هذا الأسبوع حدثين، أحدهما وقع والآخر مرتقب.
فقد أكد الملك محمد السادس، في آخر خطاب لافتتاح البرلمان، أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، لا يمكن أن يخضع لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، معلناً أن المغرب سيقدّم إلى شركائه وثيقة تعرض رؤية استراتيجية واضحة وعملية تحمل توجهاً جديداً.
وعلى الجانب الإسباني، من المرتقب أن يزور الملك فيليبي السادس والملكة المدينتين المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر، وأن يقضي الزوجان الملكيان ليلتهما في سبتة، أي على أرض مغربية.
نحن أمام توظيف إسباني كامل لأزمة الهجرة في سبتة، وأمام شكل من أشكال الضغط أيضاً. فقد دعا الاتحاد الأوروبي المغرب بوضوح إلى الوفاء بالتزاماته، وهي التزامات يؤكد المغرب أنه يحترمها، ويحترمها فعلاً، مقابل خسائر بشرية ومادية كبيرة.
كل ذلك سيتغيّر، كما قال الملك محمد السادس، ومن بين الأطر التي ستحمل هذا التغيير الوثيقة الاستراتيجية التي أعلن عنها.
ومن ثمّ، يمكن أن يطرأ تغييران، أولهما أهم من الثاني.

تأمين سبتة ومليلية: أين تبدأ مسؤولية المغرب وأين تنتهي؟
ينبغي للمغرب أن يوضح للأوروبيين، بهدوء وحزم، أنه سيتولى حماية حدوده الشمالية، لكنه لن يعرّض أمنه العام للخطر من أجل الدفاع عن سبتة.
وعليه أن يلتزم بمنع انطلاق أي شخص من أراضيه بقصد «اجتياح» إسبانيا، وفق التعبير الذي استخدمه القرار الأخير للبرلمان
الأوروبي. ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي أن يقتصر التزامه على تأمين مياهه الإقليمية.

أما إذا تدفّق مهاجرون أفارقة أو مغاربة أو غيرهم نحو سبتة، كما حدث في يوليوز الماضي، فعلى أوروبا أن تتولى أمرهم. لقد كانت سبتة حصناً عسكرياً ومكاناً للاحتجاز، وستدفعها سياسة الاتحاد الأوروبي وموقفه منها إلى العودة إلى ذلك الوضع.
وإذا حدث تحرّك جماعي نحو سبتة ومليلية، فقد أظهر المغاربة أنهم غير مستعدين لإراقة الدماء على أراضيهم من أجل راحة المدينتين اللتين تتمسك بهما مدريد وبروكسيل. وأظهر المغرب استعداده لاستعادة مواطنيه، ومواطنيه وحدهم.
وفي بلاغها الصادر في شتنبر، والذي جاء متأخراً بقدر ما جاء حادّاً، ذكّرت وزارة الشؤون الخارجية التي يقودها ناصر بوريطة، أو كشفت، حقائق كثيراً ما يجري تجاهلها.

فقد أشارت إلى الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها القوات المغربية، وهي تجد نفسها داخل «الفخ» الأوروبي: إما أن تتدخل بالقوة وتقمع المهاجرين، وليس من واجبها أن تفعل ذلك، فتتعالى في أوروبا الاحتجاجات بشأن انتهاك حقوق الإنسان، كما حدث في يونيو 2022 بمليلية؛ وإما أن تتركهم يمرّون لتتمكن من تنظيم عودتهم بصورة أفضل، كما جرى خلال أزمة سبتة الأخيرة، فيُتّهم المغرب بالتساهل، بل بتوظيف الهجرة.

ومع ذلك، ففي كل أزمة يُصاب عشرات ومئات من عناصر قوات الأمن المغربية، وقد تخلّف بعض الإصابات إعاقات دائمة.
وكل ذلك دفاعاً عن حاجز ترابي مقام على أرض مغربية، كرّسه الأوروبيون للتو جزءاً من فضاء الاتحاد الأوروبي.
وهنا نعود إلى تعبير بوريطة عن «العمى الاستراتيجي»، من دون أن نعرف ما إذا كان يقصد الإسبان وحدهم أم الأوروبيين جميعاً. لكن، ما دامت بروكسيل تريد نشر وكالة «فرونتكس» على أراضينا، فعليها أن تتحمّل كامل تبعات هذا القرار.

هل أصبح المغرب، بهذا المنطق، أوروبياً؟

ردّاً على الجواب الذي قدّمته المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1987 بشأن طلب المغرب الانضمام إلى أوروبا السياسية، والذي استند، ضمن ما استند إليه، إلى غياب حدود مادية مشتركة، يمكن للرباط اليوم أن تدفع بأن هذا الشرط لم يعد قائماً، بعد تصريح فون دير لاين بأن حدود سبتة هي أيضاً حدود أوروبا.
وكان الراحل الحسن الثاني يشبّه المغرب بشجرة تضرب جذورها في إفريقيا وتتنفس بأوراقها في أوروبا. وخلال الفترة الفاصلة، قلّمت أوروبا كثيراً من ذلك الورق، فيما يعمل المغرب على التنفّس في اتجاهات أخرى.
لذلك، قد لا يكون طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أفضل مبادرة يمكن أن يتخذها المغرب، بالنظر إلى حالة التردّي التي تعيشها القارة العجوز اليوم. لكن بروكسيل لا تبدو مدركة تماماً لما تنطوي عليه تصريحاتها.

لماذا، مرة أخرى، ينبغي للمغرب أن يؤمّن سبتة ومليلية والجزر المجاورة، فيما لا ينال على ذلك ما يستحقه من تقدير ومساعدة؟

بل ينبغي للرباط أن تستند إلى ما جرى في سبتة هذا الصيف لإعادة النظر في التزامها بـ«ضبط» موجات الهجرة.
إذا أراد عشرات الآلاف من مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء المقيمين على التراب المغربي التوجّه إلى سبتة أو مليلية، فلتكن المسؤولية الأمنية كاملة على عاتق الأوروبيين والإسبان. وإذا اجتازوا السياج، فليتولَّ الأوروبيون والإسبان استقبالهم أو إعادتهم مباشرة إلى بلدانهم، من دون المرور عبر المغرب.
أما المغرب، فلا يستعيد سوى مواطنيه، مع مواصلة حماية مياهه الإقليمية في المضيق ومراقبة العبور نحو جزر الكناري، التي تعترف
الرباط بوضوح وصراحة بسيادتها الإسبانية منذ نصف قرن على الأقل.

السيادة ومضيق جبل طارق في خلفية النقاش

أما إسبانية المدينتين، فالإسبان والأوروبيون هم من أعادوا طرحها على الطاولة بإصرارهم على تأكيد هذه السيادة. وقد أظهروا، بذلك، أن الحسابات ترتبط بالاعتبارات الجيوستراتيجية لمضيق جبل طارق أكثر مما ترتبط فعلاً بالبعد الوطني أو السيادي.
على المغرب أن يستعيد أراضيه عاجلاً أو آجلاً. لكن هذا الاحتلال يعود إلى قرون، ولذلك تملك الرباط الوقت، وتمنح نفسها الوقت، وتترك، قبل كل شيء، للزمن أن يفعل فعله.
الوجود الأوروبي في إفريقيا مفارقة تاريخية وعبثية. وسيأتي يوم قريب يختفي فيه. والإسبان والأوروبيون يفعلون كل ما يدفع في هذا الاتجاه.
عزيز بوستة — بانورابوست
المصدر: المقال المنشور على موقع L’ODJ Média




الخميس 15 أكتوبر 2026

في نفس الركن
< >

الاربعاء 14 أكتوبر 2026 - 12:25 احذروا من يدسّ السم في العسل


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic