كتاب الرأي

هل عاد ملف الصحراء فعلا إلى نقطة الصفر؟.. "بنحمزة" يفند قراءات "متسرعة" وأخرى "موجهة" عقب تسريب تقرير "غوتيريش"


في وقت أثارت فيه الصيغة المسربة لمسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول قضية الصحراء المغربية موجة واسعة من التأويلات، خاصة بعد ورود إشارات إلى "الاستفتاء" و"المجلس الانتقالي"، قدم الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الدكتور عادل بنحمزة قراءة تضع هذه العبارات في سياقها الحقيقي، وتدفع نحو إعادة قراءة التقرير بعيدا عن الاستنتاجات المتسرعة. وبحسب بنحمزة، فإن استحضار هذه المفاهيم لا يعني بأي شكل من الأشكال إعادة عقارب الساعة إلى الوراء أو إحياء الصيغة القديمة للاستفتاء، بل إن جذورها موجودة أصلا في مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية سنة 2007، بما يجعل فهم سياقها مفتاحا لفك الكثير من الالتباس الذي رافق التقرير.



وأوضح بنحمزة أن أبرز ما ينبغي التوقف عنده هو أن الأطراف باشرت فعليا، وفق قراءته، تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي جعل من مبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية سنة 2007 الأساس الوحيد للمفاوضات. ويرى أن هذه النقطة تحديدا تمثل جوهر التحول الذي ينبغي قراءته في التطورات الأخيرة، بعيدا عن الخطاب الدعائي الموجه إلى الداخل من طرف جبهة البوليساريو، ذلك أن طبيعة المسار التفاوضي القائم تكشف، عمليا، أن النقاش بات يدور حول مقترح الحكم الذاتي وآليات تنزيله وضماناته، وليس حول إعادة فتح جميع الخيارات التي سبق أن طُرحت بشأن النزاع.

وفي هذا السياق، استحضر المحلل السياسي الفقرة 27 من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي تنص على أن نظام الحكم الذاتي "يكون موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية"، مؤكدا أن هذا الاستفتاء يشكل، وفقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، ممارسة حرة من لدن السكان المعنيين لحقهم في تقرير المصير. ويؤكد بنحمزة أن هذه الصياغة تكشف بوضوح أن مفهوم الاستفتاء الوارد في النقاش الحالي لا يمكن فصله عن التصور المغربي للحكم الذاتي، ولا يستقيم تقديمه تلقائيا باعتباره عودة إلى مشروع استفتاء لتحديد مصير الإقليم خارج هذا الإطار.

أما بخصوص "المجلس الانتقالي"، فيشير بنحمزة إلى أن الأمر يتعلق بدوره بمقتضى وارد في المبادرة المغربية منذ سنة 2007، وليس بفكرة مستحدثة فرضتها التطورات الأخيرة. وتنص الفقرة 32 على أنه، بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، يساهم مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف في تدبير عودة سكان المخيمات إلى الوطن، ونزع السلاح والتسريح، وإعادة إدماج العناصر المسلحة الموجودة خارج تراب الجهة، فضلا عن المساهمة في إقرار النظام وتطبيقه، بما في ذلك العمليات الانتخابية. ومن ثم، فإن ورود هذا المفهوم في تقرير غوتيريش، وفق هذه القراءة، يرتبط بمرحلة انتقالية لتنزيل الحكم الذاتي، وليس بإحداث مسار  سياسي منفصل أو بديل عن المبادرة المغربية.

كما توقف بنحمزة عند الفقرة الأخيرة من الفقرة 10 من تقرير غوتيريش، المنسوبة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام، والتي شددت على أن أي مقترح للحكم الذاتي ينبغي أن يستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي يجب أن تدعمه ضمانات دولية قوية، مع ضرورة أن تتضمن أي تسوية عملية تشاور ذات مغزى مع الشعب الصحراوي، وفقا لمبدأ تقرير المصير. ويرى بنحمزة أن هذه الملاحظات، رغم محاولة بعض مؤيدي الانفصال تقديمها باعتبارها ضربة للمقترح المغربي، لا تتناقض في جوهرها مع المبادرة المغربية، التي نصت بدورها على استشارة السكان وعلى ممارسة حق تقرير المصير من خلال آلية ديمقراطية.

وعليه، فإن القراءة التي يقدمها الدكتور عادل بنحمزة تقلب زاوية النظر إلى أكثر العبارات إثارة للجدل في تقرير غوتيريش.. فالاستفتاء، كما ورد في المبادرة المغربية، ليس بالضرورة آلية للعودة إلى نقطة الصفر، والمجلس الانتقالي ليس صيغة جديدة تناقض الحكم الذاتي، كما أن الحديث عن تقرير المصير لا يشكل في حد ذاته تناقضا مع المقترح المغربي، ما دام هذا الأخير يربط ممارسة هذا الحق باستشارة ديمقراطية حول نظام الحكم الذاتي. وبذلك، فإن جوهر التطور، وفق هذه القراءة، لا يكمن في الكلمات التي أثارت الجدل، وإنما في السياق الذي وُضعت داخله.. أي مسار تفاوضي أصبح، بعد قرار مجلس الأمن 2797، يدور حول الحكم الذاتي وآليات تنزيله وضماناته، وهو ما يمنح تقرير غوتيريش دلالات مختلفة تماما عن تلك التي حاولت بعض القراءات المتسرعة تكريسها.




الاثنين 5 أكتوبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic