كتاب الرأي

من 2021 إلى 2026.. كيف أعاد القاسم الانتخابي تشكيل المنافسة وما الذي تقوله الأرقام عن التحالفات؟


لم تقتصر انتخابات 23 شتنبر 2026 على تغيير ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب، بل أعادت إلى الواجهة سؤالا ظل حاضرا منذ انتخابات 2021: كيف تتحول أصوات الناخبين إلى مقاعد؟ وما الدور الذي يلعبه القاسم الانتخابي في رسم الخريطة البرلمانية؟



بقلم : عائشة بوسكين

فالنتائج المؤقتة لـ2026 وضعت الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعدا. وهي خريطة مختلفة بوضوح عن 2021، حين تصدر الأحرار بـ102 مقعد، أمام الأصالة والمعاصرة بـ87 والاستقلال بـ81، بينما لم يحصل العدالة والتنمية سوى على 13 مقعدا.


لكن لفهم هذه التحولات، لا تكفي مقارنة عدد المقاعد. فطريقة احتساب المقاعد نفسها تغيرت جذريا ابتداء من انتخابات 2021، واستمرت في انتخابات 2026.


ما هو القاسم الانتخابي أصلا؟


القاسم الانتخابي، ببساطة، هو رقم يُستخدم لتحويل الأصوات التي تحصل عليها اللوائح إلى مقاعد داخل الدائرة الانتخابية، في النظام المعمول به حاليا لانتخاب مجلس النواب، يُحسب القاسم عبر قسمة عدد الناخبين المسجلين في الدائرة على عدد المقاعد المخصصة لها، ثم يجري توزيع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا. وهذه القاعدة ظلت قائمة في الإطار القانوني المحين لانتخابات 2026.


بمعنى مبسط : إذا كانت دائرة تضم 100 ألف ناخب مسجل ومخصصة لها خمسة مقاعد، فإن القاسم الانتخابي يساوي 20 ألفا، حتى لو لم يشارك في التصويت سوى نصف المسجلين.


وهنا تكمن خصوصية النظام الحالي: من لم يصوت يدخل، بطريقة غير مباشرة، في عملية حساب القاسم لأنه يظل محسوبا ضمن عدد المسجلين.


كيف كان الأمر قبل انتخابات 2021؟


قبل تعديل 2021، وتحديدا في انتخابات 2016، كان النظام مختلفا. كانت هناك عتبة انتخابية قدرها 3 في المائة من الأصوات المعبر عنها يتعين على اللائحة بلوغها حتى تدخل عملية توزيع المقاعد، بعدما كانت العتبة في فترة سابقة 6 في المائة.


وكان القاسم مرتبطا بالأصوات التي أدلي بها فعليا وبالأصوات الداخلة في عملية توزيع المقاعد، وليس بعدد جميع الأشخاص المسجلين في اللوائح الانتخابية.

وهذا فرق جوهري.


فإذا افترضنا دائرة بها 100 ألف مسجل وخمسة مقاعد، وشارك 50 ألف ناخب فقط، فإن قاسم النظام السابق كان سيكون أقرب إلى 10 آلاف صوت، بافتراض أن مجموع الأصوات ذهبت إلى لوائح مؤهلة.


أما بالقانون الذي دخل حيز التطبيق سنة 2021، فإن القاسم يصبح 20 ألفا، لأن الحساب يبدأ من 100 ألف مسجل، وليس من 50 ألف مصوت.


ماذا تغير سنة 2021؟


جاء تعديل 2021 بتغييرين مهمين: أصبح القاسم الانتخابي يُحسب على أساس عدد الناخبين المسجلين، كما أُلغي شرط الحصول على نسبة محددة من الأصوات للمشاركة في توزيع المقاعد.


وبرر المشرع هذا التوجه، بحسب ما أوردته المحكمة الدستورية عند فحص القانون، بالسعي إلى توسيع التمثيلية وإتاحة المجال أمام قوى سياسية أكثر للمشاركة داخل المؤسسة التشريعية. واعتبرت المحكمة الدستورية أن اختيار طريقة احتساب القاسم يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع ولا يخالف الدستور.


في المقابل، أثار التغيير منذ البداية نقاشا سياسيا واسعا. فمؤيدوه رأوا فيه وسيلة لتوسيع التعددية والحد من احتكار المقاعد من طرف الأحزاب المتصدرة داخل الدوائر، بينما اعتبر منتقدوه أن احتساب غير المصوتين ضمن القاسم يقلل من قدرة الحزب الذي يحصل على كتلة كبيرة من الأصوات على تحويل تفوقه الانتخابي إلى عدد مماثل من المقاعد.


وهذان موقفان سياسيان مختلفان من القاعدة نفسها؛ أما من الناحية التقنية، فالنتيجة الأساسية هي أن الوصول إلى القاسم الكامل أصبح أصعب، وأصبح جزء أكبر من المقاعد يحسم من خلال قاعدة أكبر البقايا.


كيف يؤثر ذلك فعليا على الأحزاب؟


عندما يكون القاسم مرتفعا، قد لا يستطيع حتى الحزب المتصدر في دائرة معينة بلوغه أكثر من مرة، أو قد لا يبلغه أي حزب أصلا. عندها تصبح "البقايا" أكثر أهمية في توزيع المقاعد.


وهذا يميل إلى توزيع المقاعد على عدد أكبر من اللوائح، بدلا من السماح للحزب الأول بجمع مقعدين أو ثلاثة بسهولة في الدوائر محدودة المقاعد.


لكنه لا يعني أن الحزب الصغير سيستفيد دائما، أو أن الحزب الكبير سيتضرر دائما. النتيجة تتوقف على توزيع الأصوات في كل دائرة، وعدد المنافسين، ونسب المشاركة والفوارق بين اللوائح.


ولهذا من الصعب تفسير نتائج حزب معين بالقاسم الانتخابي وحده.


2021 و2026.. نفس القاسم ونتائج مختلفة


هذه النقطة مهمة لفهم انتخابات 2026. فالقاسم المبني على عدد المسجلين كان مطبقا في 2021، وما زال معمولا به في 2026. ومع ذلك تغيرت نتائج الأحزاب بصورة كبيرة.


العدالة والتنمية، مثلا، انتقل من 13 مقعدا إلى 54، أي بزيادة 41 مقعدا، رغم أن القاعدة الأساسية لاحتساب القاسم لم تتغير.


الأصالة والمعاصرة انتقل من 87 إلى 97 مقعدا، بينما انخفض التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا.


وهذا يعني أن القاسم يؤثر في كيفية ترجمة الأصوات إلى مقاعد، لكنه لا يفسر وحده لماذا يصعد حزب أو يتراجع آخر. حجم التصويت لكل حزب، وانتشاره الجغرافي، وقوة لوائحه المحلية، ونسبة المشاركة، وطبيعة المنافسة داخل كل دائرة عوامل تدخل جميعها في الحصيلة النهائية.


كيف أثر القاسم في المشهد السياسي منذ 2021؟


أحد الآثار البنيوية للنظام هو جعل الحصول على أغلبية كبيرة من طرف حزب واحد أكثر صعوبة، خصوصا في الدوائر التي تتنافس فيها عدة لوائح بأوزان متقاربة.وهذا يعزز عمليا أهمية التحالفات بعد الانتخابات، لأن المقاعد تتوزع بين عدد أكبر من الأحزاب ولا يقترب أي حزب منفرد من الأغلبية المطلقة.


مجلس النواب يتكون من 395 عضوا، وبالتالي تحتاج الحكومة إلى ثقة الأغلبية المطلقة، أي 198 عضوا على الأقل. وينص الدستور كذلك على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.


وإذا تأكدت النتائج المؤقتة الحالية، فإن الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره بـ97 مقعدا، سيظل بعيدا بأكثر من مائة مقعد عن عتبة الأغلبية المطلوبة، وهنا تبدأ مرحلة الحسابات السياسية.


الأغلبية السابقة.. من 270 إلى 228 مقعدا


في 2021، شكل التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال أغلبية واسعة، إذ كانت الأحزاب الثلاثة تتوفر مجتمعة على 270 مقعدا.


وفق نتائج 2026 المؤقتة، أصبحت حصيلتها مجتمعة 228 مقعدا: 97 للأصالة والمعاصرة، و66 للأحرار، و65 للاستقلال وبالتالي، فإن إعادة التحالف الثلاثي نفسه ممكنة حسابيا لأنها تتجاوز عتبة 198، لكنها ستكون أقل حجما من الأغلبية السابقة بـ42 مقعدا. وهذا مجرد احتمال عددي ولا يعني وجود اتفاق سياسي بين الأحزاب الثلاثة في هذه المرحلة.


عودة العدالة والتنمية توسع خيارات الحساب البرلماني


الفرق الكبير بين 2021 و2026 هو عودة العدالة والتنمية إلى كتلة برلمانية من 54 نائبا، هذا الرقم يجعله حاضرا في عدد من التركيبات الحسابية الممكنة. فجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية يعطي 217 مقعدا، بينما يصل مجموع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية إلى 216 مقعدا.


لكن هذه العمليات الحسابية لا تعني أن التحالفات السياسية المقابلة لها قائمة أو متفق عليها؛ فتشكيل الحكومة يخضع للمفاوضات والمواقف الحزبية والبرامج وشروط المشاركة، أما الأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية فيملكون مجتمعين 185 مقعدا، أي أنهم يحتاجون إلى حزب إضافي لتجاوز عتبة الأغلبية.


الأحزاب المتوسطة قد تصبح جزءا من معادلة التفاوض


الخريطة الجديدة تمنح أيضا وزنا حسابيا للحركة الشعبية بـ29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، ففي برلمان لا يملك فيه الحزب الأول سوى 97 مقعدا، يمكن لعشرات المقاعد الموجودة لدى الأحزاب المتوسطة أن تلعب دورا في بناء أي أغلبية موسعة.


وهنا يظهر أحد الآثار السياسية لنظام التمثيل النسبي والقاسم الانتخابي الحالي: الفوز بالمرتبة الأولى لا يعني امتلاك أغلبية للحكم، بل يمنح الحزب المتصدر نقطة الانطلاق نحو مفاوضات لتجميع 198 مقعدا على الأقل.


القاسم ليس كل القصة


يمكن القول إن تعديل 2021 جعل النظام أكثر ميلا إلى تفتيت المقاعد بين اللوائح مقارنة بالنظام السابق، لكنه لا يصنع النتائج بمفرده، والدليل أن انتخابات 2021 و2026 جرتا وفق القاعدة الأساسية نفسها للقاسم الانتخابي، ومع ذلك أنتجتا خريطتين مختلفتين بصورة واضحة.


في 2021، تصدر الأحرار وتراجع العدالة والتنمية بشدة. وفي 2026، تراجع الأحرار عدديا، وصعد الأصالة والمعاصرة إلى المركز الأول، وعاد العدالة والتنمية إلى كتلة برلمانية أكبر، في ظل استمرار القاسم المحسوب على أساس المسجلين.


لذلك، فإن أثر القاسم الحقيقي يظهر أساسا في طريقة توزيع المقاعد داخل كل دائرة وفي الحد من سهولة تركيزها لدى لائحة واحدة، بينما تبقى حركة الناخبين بين الأحزاب هي التي تحدد من يتقدم ومن يتراجع.


وهذا ما يجعل خريطة 2026 مختلفة: قواعد توزيع المقاعد بقيت إلى حد كبير مستقرة، لكن موازين التصويت تغيرت، فأنتجت برلمانا يعيد ترتيب الأحجام الحزبية ويضع مسألة التحالفات من جديد في قلب المرحلة السياسية المقبلة





الخميس 24 سبتمبر 2026

              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic