كتاب الرأي

"ملك" يخفي "الجريمة" بزيارة القبور


لم يكن أكثر استفزازاً من زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة المحتلة، سوى تلك المحاولة الإعلامية المكشوفة لتحويل قبور ضحايا المأساة الإنسانية إلى منصة للمزايدة الأخلاقية على المغرب، وتصوير فيليبي السادس ملكاً رحيماً يترحم على الموتى، مقابل تقديم الملك محمد السادس في صورة من تخلى عن مواطنيه ورفض استعادة جثامينهم.



بقلم: عادل تشكيطو

فقد تدحرجت البروبغندا الإسبانية إلى درك الصبيانية او ما نسميه في عاميتنا ب« التبرهيش»، وعمدت بعض المنابر الإعلامية الإسبانية خلال تغطية زيارة الملك فيليبي السادس إلى مقبرة ضحايا أحداث سبتة المحتلة، بتحويل مشهد الترحم على الموتى إلى محاكمة سياسية وأخلاقية للمغرب، عبر سردية تقدم الملك الإسباني في صورة الحاكم الرحيم، وتصور الملك محمد السادس باعتباره مسؤولاً عن التخلي عن مواطنيه ورفض استعادة جثامينهم.

واختارت صحيفة «إل ديباتي» (El Debate عنواناً يتحدث عن «درس يقدمه الملكان للمغرب» من خلال تكريم 141 ضحية، فيما تحدثت «لا راثون» (La Razón)⁠ عن ضحايا مجهولي الهوية تجاهلهم المغرب. أما «ثيوتا أكتواليداد» (Ceuta Actualidad)، فقد أبرزت تكريم الملكين الإسبانيين للمهاجرين المتوفين، في سياق تغطية إعلامية غلب عليها الاحتفاء بالدلالة الإنسانية للزيارة.

وتعمدت الدعاية الإسبانية، تحويل  المأساة إلى مشهد منتقى بعناية، تُختزل فيه المسؤولية السياسية في صورة ملك ينحني أمام القبور، مقابل اتهام ملكنا بالتخلي عن الموتى، في محاولة لتوريط الرأي العام في مقابلة لا تستقيم أو في معادلة تساوي بين الضحية والجلاد، وكأنها  تريد ان تحجب عن المسامع، أصوات أرواح الضحايا،  وهي تقول للملك فيليبي أنتم من قتلنا.

والأكثر دلالة في هذا المشهد انه جاء ضمن زيارة ذات حمولة سياسية إمبريالية واضحة، أعاد خلالها الملك الإسباني تأكيد موقف بلاده الاستعماري من سبتة ومليلية المحتلتين. وبذلك تداخلت الرمزية الإنسانية المزعومة مع الرسائل السياسية، وأصبحت قبور الضحايا جزءاً من مشهد أوسع يتجاوز مجرد التعبير عن التعاطف إلى محاولة لإغراق العيون بتراب مقبرة "سيدي امبارك".

ان ما تروّجه بعض المنابر الإسبانية بشأن رفض المغرب تسلّم جثامين ضحايا سبتة، هو كذب مفتون بالحان الفلامينكو، وافتراء موسوم بوحشية حلبات مصارعة الثيران.
فالموقف المغربي، بكل بساطة، يا صناعة فرانكو: يمكن قراءته، من منظور حقوقي، باعتباره رفضاً لتسلّم جثامين مجهولة الهوية، دون الاطلاع على تقارير التشريح وتحديد الأسباب الحقيقية للوفاة، احتراماً لكرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم. 

فالشبهات، حسب ما يبدو من موقف المغرب الرسمي، تستوجب التحقيق في احتمال أن بعض الضحايا لم يفارقوا الحياة غرقاً، وإنما في ظروف أخرى قد ترتب مسؤوليات جنائية. ومن ثم، فإن المطالبة بهذه الوثائق هو بالضرورة  ضمانة أساسية لكشف الحقيقة ومنع طمس الأدلة، احتراما لأرواح الضحايا.

 وإسبانيا، التي تقدم نفسها دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، مطالبة بتوفير هذه المعطيات بشفافية؛ وهو إجراء يفترض ألا يستعصي على دولة تتوفر على إمكاناتها الطبية والقضائية المتقدمة.

هذه هي المفارقة التي جعلت المتحكمين بزمام ملك إسبانيا يدفعون اعلامهم الى تبريز سردية مغشوشة ملغومة مع الأسف انساق وراءها حتى بعض المغرر بهم من أبناء جلتنا ممن يسكنون سبتة المحتلة، ولا يسكنهم حب وطنهم الأصل المغرب.

مفارقة جوهرها يدين الإسبان ويبرز فطنة المغرب بالاعيبهم ومناورتهم التي تريد ان تطمس حقيقة لجلج، فكرتها وملخصها ان المغرب لا يريد جثامين بلا حقيقة، أجساد مجردة من هويتها.

مع الأسف،
لقد نجحت الدولة العميقة بإسبانيا في توظيف الملك والملكة في الترحم على الحقيقة المدفونة امامهما، وأن تستبدل واجب كشف الحقيقة بمراسم التأبين، و أن تجعل من زيارة ملكية شهادة براءة من مسؤوليات تستوجب التحقيق والمساءلة. فالضحايا الذين دُفن بعضهم دون تحديد هوياتهم يستحقون أكثر من دقيقة صمت، وتستحق عائلاتهم أكثر من صور تتصدر الصحف.




الخميس 15 أكتوبر 2026

في نفس الركن
< >

الاربعاء 14 أكتوبر 2026 - 12:25 احذروا من يدسّ السم في العسل


              

تعليمات خاصة بركن «الرأي الحر / ضيوف المنبر / نبض القلم / بلاغات صحفية »
 
الغاية
هذا الركن مفتوح أمام المتصفحين وضيوف الجريدة للتعبير عن آرائهم في المواضيع التي يختارونها، شرط أن تظل الكتابات منسجمة مع الخط التحريري وميثاق النشر الخاص بـ L’ODJ.

المتابعة والتحرير
جميع المواد تمر عبر فريق التحرير في موقع lodj.ma، الذي يتكفل بمتابعة المقالات وضمان انسجامها مع الميثاق قبل نشرها.

المسؤولية
صاحب المقال هو المسؤول الوحيد عن مضمون ما يكتبه. هيئة التحرير لا تتحمل أي تبعات قانونية أو معنوية مرتبطة بما ينشر في هذا الركن.

الممنوعات
لن يتم نشر أي محتوى يتضمن سبّاً أو قدحاً أو تهديداً أو ألفاظاً خادشة للحياء، أو ما يمكن أن يشكل خرقاً للقوانين المعمول بها.
كما يُرفض أي خطاب يحمل تمييزاً عنصرياً أو تحقيراً على أساس الجنس أو الدين أو الأصل أو الميول.

الأمانة الفكرية
السرقات الأدبية أو النقل دون إشارة للمصدر مرفوضة بشكل قاطع، وأي نص يتبين أنه منسوخ سيتم استبعاده.


















Buy cheap website traffic