آخر الأخبار

فيضانات القصر الكبير: حين يتحوّل الطفل إلى ضحية صامتة بين التعليم عن بُعد وحلول الواقع الغائبة


لم تكن الفيضانات التي اجتاحت مدينة القصر الكبير مجرّد حادث طبيعي عابر، بل شكّلت صدمة اجتماعية وإنسانية عميقة كشفت هشاشة البنية الوقائية، وعرّت في الآن نفسه واقع الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدّمتها الأطفال والتلاميذ، الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج شروط العيش الكريم والاستقرار النفسي والتربوي.



فبين أحياء غمرتها المياه، ومنازل تضرّرت أو صارت غير صالحة للسكن، وأسر اضطرت إلى الاحتماء بالخيام، أو بالمدارس، ودور الطالب، وفضاءات الإيواء المؤقت، عاش آلاف الأطفال حالة اقتلاع قسري من محيطهم الطبيعي. اقتلاع لا يطال السكن فقط، بل يمتد إلى المدرسة، واللعب، والأمان النفسي، وكل ما يشكّل عالم الطفولة الطبيعي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن “الاستمرارية الدراسية” شعارًا فارغًا إذا لم يُدعَّم بسياسات واقعية تراعي السياق الإنساني الصعب الذي يعيشه المتضررون.

في هذا الإطار، يبرز مقترح ترحيل الأطفال المتضررين مؤقتًا إلى المخيمات الوطنية التربوية كخيار إنساني استعجالي، يضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب القرار العمومي. فهذا الحل لا يوفّر فقط فضاءات آمنة للمبيت والإيواء، بل يضمن كذلك حدًّا أدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي، عبر تمكين الأطفال من التعليم الحضوري، والأنشطة الترفيهية، والتغذية السليمة، داخل فضاءات مؤهلة ومؤطّرة تربويًا وصحيًا. كما يفتح المجال أمام مصاحبة نفسية ضرورية للتخفيف من آثار الصدمة والخوف والتشرد المفاجئ الذي عاشه عدد كبير من الأطفال.

ولا يقتصر أثر هذا الإجراء على الأطفال وحدهم، بل يمتد إلى الأسر المتضرّرة، التي تعيش اليوم ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا داخل فضاءات مكتظّة وغير مهيّأة للعيش طويل الأمد. إذ من شأن إيواء الأطفال مؤقتًا في فضاءات تربوية آمنة أن يمنح هذه الأسر هامشًا من الوقت والقدرة على إعادة ترتيب أوضاعها، وترميم منازلها، واستعادة جزء من توازنها الاجتماعي والاقتصادي.

في المقابل، عاد إلى الواجهة مجدّدًا طرح التعليم عن بُعد كبديل مفترض في سياق الأزمات، وكأنّه وصفة جاهزة تصلح لكل الحالات. غير أنّ هذا الطرح، في حالة القصر الكبير، يصطدم بواقع ميداني قاسٍ يكشف محدوديته، بل وانفصاله عن معيش الناس اليومي. فكيف يمكن لطفل فقد منزله أو يعيش داخل خيمة أو مركز إيواء مكتظ أن يتابع دروسه عن بُعد؟ وبأي وسائل تقنية؟ وأي شبكة أنترنت؟ وأي فضاء هادئ يسمح بالتركيز والاستيعاب؟ ثم كيف يُنتظر من طفل يعيش آثار الصدمة والخوف وعدم الأمان أن ينخرط في تعلّم رقمي يفترض حدًّا أدنى من الاستقرار النفسي والاجتماعي؟

إنّ التعليم عن بُعد، في سياق الكوارث الطبيعية، لا يتحوّل إلى حل بقدر ما يغدو أحيانًا مجرّد خطاب إداري لتبرير غياب الحلول الميدانية الحقيقية، ونقل عبء التكيّف من المؤسسات إلى الضحايا أنفسهم. وهو ما يطرح سؤال العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في زمن الأزمات: هل نملك الجرأة على الاعتراف بأنّ نفس السياسات لا تصلح لكل الفئات وفي كل الظروف؟

وعليه، فإنّ الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تسويق حلول افتراضية أو شعارات تقنية، بل في تبنّي إجراءات ملموسة قادرة على حماية الأطفال وضمان حقهم في تعليم حضوري مؤقت داخل فضاءات آمنة ومؤطّرة، إلى حين عودة الحد الأدنى من الاستقرار. وهو رهان ينسجم مع روح التضامن الوطني، ومع منطق الدولة الاجتماعية، ومع واجب الإنصاف في زمن الكوارث، حيث تُقاس السياسات العمومية بقدرتها على حماية الأضعف لا بخطاباتها حول “استمرارية الخدمة”.

Sara Elboufi
سارة البوفي كاتبة وصحفية بالمؤسسة الإعلامية الرسالة مقدمة البرنامج الإخباري "صدى الصحف" لجريدة إعرف المزيد حول هذا الكاتب



الاثنين 2 فبراير 2026

              

آخر الأخبار | حياتنا | صحتنا | فن وفكر | لوديجي ستوديو | كتاب الرأي | أسرتنا | تكنو لايف | بلاغ صحفي | لوديجي ميديا [L'ODJ Média] | كيوسك | اقتصاديات | كلاكسون | سپور


Bannière Réseaux Sociaux

Bannière Lodj DJ

















LODJ24
آخر الأخبار
جاري تحميل الأخبار...
BREAKING NEWS
📰 Chargement des actualités...




ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.45 (2)
WhatsApp Image 2026-02-04 at 09.50.48 (1)
WhatsApp Image 2026-01-22 at 16.12.54
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (6)
WhatsApp Image 2025-12-17 at 15.56.57 (1)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (4)
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.13 (2)
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.08
WhatsApp Image 2026-01-22 at 16.12.53
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.47 (1)
WhatsApp Image 2025-11-28 at 16.48.06
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.04 (1)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (6)
WhatsApp Image 2025-11-17 at 18.19.10
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.54.45
WhatsApp Image 2025-12-04 at 15.31.46 (1)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2026-01-05 at 16.41.56 (1)
WhatsApp Image 2025-12-05 at 17.34.09 (1)
WhatsApp Image 2025-11-19 at 14.50.33 (1)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.58 (3)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (3)
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.30.59 (5)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.23 (6)
2
18
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-28 at 17.35.59
WhatsApp Image 2026-01-22 at 16.12.53 (1)
WhatsApp Image 2025-11-27 at 11.16.12
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.12 (4)
WhatsApp Image 2025-12-25 at 10.32.24 (9)
WhatsApp Image 2025-10-29 at 10.04.14 (5)
ملحمة المذيعين وضيوفهم في استوديو LODJ ميديا
WhatsApp Image 2025-11-04 at 11.31.00




Buy cheap website traffic