بقلم : مامون أشرقي
في ذكر غزة، لا تكفي اللغة، ولا تسعفنا البلاغة، ولا تملك الحروف إلا أن تنحني إجلالا أمام شعبٍ كُتب عليه أن يكون شاهدا على عجز العالم، ومرآةً لانكسار الضمير الإنساني، ومحرابا مفتوحا لكل من بقي في قلبه ذرة من عدل أو نخوة أو إيمان.
في السابع من أكتوبر، لا نقف عند تاريخٍ عابر، بل عند يومٍ خرجت فيه غزة من ضيق الحصار إلى سعة المعنى، وقالت للعالم إن الأرض التي تُسقى بالدم لا تُمحى بقرار، ولا تُباع بتطبيع، ولا تُنسى بالتقادم.
غزة ليست مدينة فقط. غزة مقام. غزة ابتلاء. غزة ميزان. بها يُعرف الصادق من المدّعي، والحر من العبد، وصاحب المبدأ من تاجر الشعارات. غزة ليست رقعة محاصرة على شاطئ البحر، بل هي قلب فلسطين النابض، وجرح العرب المفتوح، وامتحان المسلمين، وفضيحة هذا العالم الذي أتقن لغة الحقوق حين تكون له، وصمت حين صار الدم فلسطينيا، والطفل فلسطينيا، والأم فلسطينية، والبيت فلسطينيا.
أي أرض هذه التي كلما ظنوا أنهم أطفأوا نارها، خرج من رمادها ألف شاهد وألف حكاية وألف وعدٍ بالعودة؟
غزة اليوم لا تدافع عن نفسها وحدها. غزة تدافع عن معنى الإنسان حين يُسلب منه كل شيء إلا كرامته. تدافع عن حق المظلوم في أن لا يعتاد الظلم. تدافع عن حق الأرض في أهلها، وعن حق الذاكرة في أن لا تُمحى، وعن حق الشهداء في أن لا يتحولوا إلى أرقام في تقارير باردة، يقرؤها الساسة ثم ينامون.
إن فلسطين ليست نزاعا عقاريا، ولا خلافا حدوديا، ولا ملفا تفاوضيا مؤجلا على مكاتب الوسطاء. فلسطين أرضٌ لها أهلها، وتاريخها، ومقابرها، وزيتونها، وصلواتها، وأسماء شهدائها. فلسطين ليست وعدا أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق، بل أمانة حملها شعبٌ من لحم ودم، دفع ثمنها من بيته وخبزه وطفله وروحه.
ومن غزة وفلسطين مرّت أسماء لم تكن عابرة في التاريخ، بل صارت علاماتٍ في الذاكرة. رحل إسماعيل هنية، وقد حمل من السياسة همّها ومن الفقد نصيبه، ومضى يحيى السنوار كما عاش في وجدان أنصاره، رمزا للصلابة في زمن كثرت فيه المساومات. ورحل أنس الشريف، الصحافي الذي حمل الكاميرا كما يحمل الشاهد أمانته، ونقل وجع غزة إلى العالم حتى صار صوته جزءا من ذاكرة الحرب وضميرها. وغادرتنا هند رجب، تلك الطفلة التي اختصرت بصوتها المرتجف مأساة قرن كامل، فكانت صرختها أبلغ من خطب الملوك، وأصدق من بيانات الأمم، وأقسى من كل ما كتبه المؤرخون عن وحشة الإنسان حين يتخلى عن الإنسان.
وهند ليست وحدها. معها آلاف الأسماء التي لا نعرفها، ولكن الله يعرفها. أطفالٌ كانوا يحلمون بحقيبة مدرسية، لا بكفن. أمهاتٌ كنّ يعددن الخبز، لا الشهداء. آباءٌ حملوا أبناءهم أشلاء، ثم نظروا إلى السماء وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. أطباءٌ عملوا بلا نوم، صحافيون نقلوا الحقيقة ثم صاروا جزءا منها، معلمون، مسعفون، شيوخ، طلبة، وجيران كانوا ينتظرون صباحا عاديا، فإذا بهم يدخلون كتاب الخلود من أوسع أبوابه.
هؤلاء ليسوا ضحايا فقط. هؤلاء شهود. شهداء على زمن اختلت فيه الموازين، وصار فيه القاتل يطلب التعاطف، والمحتل يلبس ثوب الضحية، والمحاصر يُدان لأنه صرخ، والمقهور يُلام لأنه رفض أن يموت بصمت.
إن الموقف من غزة ليس ترفا فكريا، ولا مزاجا سياسيا، ولا انحيازا عاطفيا أعمى. الموقف من غزة هو موقف من العدالة. موقف من الاحتلال. موقف من حق الإنسان في أرضه وبيته وكرامته. من وقف مع غزة وقف مع الحق، ومن ساوى بين الجلاد والضحية فقد خان اللغة قبل أن يخون الأخلاق.
قد يطول الطريق. وقد تمتد المعركة أعواما، بل أجيالا. وقد يظن العدو أن الحديد والنار يمحوان شعبا من الوجود، ولا يدري أن الشعوب المؤمنة بحقها تولد من الرماد، وتنهض من تحت الركام، وتكتب أسماءها على وجه الخلود.
سيعود الغزّيون إلى بيوتهم ولو صارت حجارة. وسيزرعون الأرض ولو ملّحتها القذائف. وسيكتب الأطفال أسماءهم على الجدران الجديدة كما كتبها آباؤهم على مفاتيح العودة. وستظل فلسطين لأهلها، من بحرها إلى نهرها، ومن زيتونها إلى أقصاها، ومن مخيمها إلى مدينتها، لأن الحق لا يُلغيه الزمن، والباطل لا يصير حقا بطول احتلاله.
سلامٌ على غزة يوم صبرت. سلامٌ على غزة يوم جاعت ولم تركع. سلامٌ على غزة يوم بكت ولم تستسلم. سلامٌ على شهدائها، على أمهاتها، على أطفالها، على رجالها، على نسائها، على حجارتها، على بحرها، على مساجدها، على كنائسها، على ترابها الذي صار أقدس من صمت العالم كله.
في ذكرى السابع من أكتوبر، لا نحتفل بالموت، بل نحتفي بالحياة التي رفضت أن تُذبح صامتة. لا نمجّد الألم، بل نمجّد الصبر. لا نطلب الحرب، بل نطلب عدلا طال انتظاره. ولا نقول إن الدم غاية، بل نقول إن الحرية تستحق أن لا تُباع، وأن الكرامة إذا ضاعت ضاع معها الإنسان كله.
وصدق الله العظيم إذ قال في محكم تنزيله:
﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
اللهم يا ناصر المستضعفين، ويا قاصم الجبارين، ارحم شهداء غزة، واشف جرحاها، وانصر أهلها، واجبر كسرهم، وثبّت رميهم، واجعل نار عدوهم بردا وسلاما عليهم.
اللهم إن غزة قد صبرت حين خذلها الناس، فأنزل عليها نصرك، واكتب لأهلها فتحا يليق بثباتهم، وعزا يليق بتضحياتهم، وردّ فلسطين إلى أهلها ردا عزيزا كريما.
في السابع من أكتوبر، لا نقف عند تاريخٍ عابر، بل عند يومٍ خرجت فيه غزة من ضيق الحصار إلى سعة المعنى، وقالت للعالم إن الأرض التي تُسقى بالدم لا تُمحى بقرار، ولا تُباع بتطبيع، ولا تُنسى بالتقادم.
غزة ليست مدينة فقط. غزة مقام. غزة ابتلاء. غزة ميزان. بها يُعرف الصادق من المدّعي، والحر من العبد، وصاحب المبدأ من تاجر الشعارات. غزة ليست رقعة محاصرة على شاطئ البحر، بل هي قلب فلسطين النابض، وجرح العرب المفتوح، وامتحان المسلمين، وفضيحة هذا العالم الذي أتقن لغة الحقوق حين تكون له، وصمت حين صار الدم فلسطينيا، والطفل فلسطينيا، والأم فلسطينية، والبيت فلسطينيا.
أي أرض هذه التي كلما ظنوا أنهم أطفأوا نارها، خرج من رمادها ألف شاهد وألف حكاية وألف وعدٍ بالعودة؟
غزة اليوم لا تدافع عن نفسها وحدها. غزة تدافع عن معنى الإنسان حين يُسلب منه كل شيء إلا كرامته. تدافع عن حق المظلوم في أن لا يعتاد الظلم. تدافع عن حق الأرض في أهلها، وعن حق الذاكرة في أن لا تُمحى، وعن حق الشهداء في أن لا يتحولوا إلى أرقام في تقارير باردة، يقرؤها الساسة ثم ينامون.
إن فلسطين ليست نزاعا عقاريا، ولا خلافا حدوديا، ولا ملفا تفاوضيا مؤجلا على مكاتب الوسطاء. فلسطين أرضٌ لها أهلها، وتاريخها، ومقابرها، وزيتونها، وصلواتها، وأسماء شهدائها. فلسطين ليست وعدا أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق، بل أمانة حملها شعبٌ من لحم ودم، دفع ثمنها من بيته وخبزه وطفله وروحه.
ومن غزة وفلسطين مرّت أسماء لم تكن عابرة في التاريخ، بل صارت علاماتٍ في الذاكرة. رحل إسماعيل هنية، وقد حمل من السياسة همّها ومن الفقد نصيبه، ومضى يحيى السنوار كما عاش في وجدان أنصاره، رمزا للصلابة في زمن كثرت فيه المساومات. ورحل أنس الشريف، الصحافي الذي حمل الكاميرا كما يحمل الشاهد أمانته، ونقل وجع غزة إلى العالم حتى صار صوته جزءا من ذاكرة الحرب وضميرها. وغادرتنا هند رجب، تلك الطفلة التي اختصرت بصوتها المرتجف مأساة قرن كامل، فكانت صرختها أبلغ من خطب الملوك، وأصدق من بيانات الأمم، وأقسى من كل ما كتبه المؤرخون عن وحشة الإنسان حين يتخلى عن الإنسان.
وهند ليست وحدها. معها آلاف الأسماء التي لا نعرفها، ولكن الله يعرفها. أطفالٌ كانوا يحلمون بحقيبة مدرسية، لا بكفن. أمهاتٌ كنّ يعددن الخبز، لا الشهداء. آباءٌ حملوا أبناءهم أشلاء، ثم نظروا إلى السماء وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. أطباءٌ عملوا بلا نوم، صحافيون نقلوا الحقيقة ثم صاروا جزءا منها، معلمون، مسعفون، شيوخ، طلبة، وجيران كانوا ينتظرون صباحا عاديا، فإذا بهم يدخلون كتاب الخلود من أوسع أبوابه.
هؤلاء ليسوا ضحايا فقط. هؤلاء شهود. شهداء على زمن اختلت فيه الموازين، وصار فيه القاتل يطلب التعاطف، والمحتل يلبس ثوب الضحية، والمحاصر يُدان لأنه صرخ، والمقهور يُلام لأنه رفض أن يموت بصمت.
إن الموقف من غزة ليس ترفا فكريا، ولا مزاجا سياسيا، ولا انحيازا عاطفيا أعمى. الموقف من غزة هو موقف من العدالة. موقف من الاحتلال. موقف من حق الإنسان في أرضه وبيته وكرامته. من وقف مع غزة وقف مع الحق، ومن ساوى بين الجلاد والضحية فقد خان اللغة قبل أن يخون الأخلاق.
قد يطول الطريق. وقد تمتد المعركة أعواما، بل أجيالا. وقد يظن العدو أن الحديد والنار يمحوان شعبا من الوجود، ولا يدري أن الشعوب المؤمنة بحقها تولد من الرماد، وتنهض من تحت الركام، وتكتب أسماءها على وجه الخلود.
سيعود الغزّيون إلى بيوتهم ولو صارت حجارة. وسيزرعون الأرض ولو ملّحتها القذائف. وسيكتب الأطفال أسماءهم على الجدران الجديدة كما كتبها آباؤهم على مفاتيح العودة. وستظل فلسطين لأهلها، من بحرها إلى نهرها، ومن زيتونها إلى أقصاها، ومن مخيمها إلى مدينتها، لأن الحق لا يُلغيه الزمن، والباطل لا يصير حقا بطول احتلاله.
سلامٌ على غزة يوم صبرت. سلامٌ على غزة يوم جاعت ولم تركع. سلامٌ على غزة يوم بكت ولم تستسلم. سلامٌ على شهدائها، على أمهاتها، على أطفالها، على رجالها، على نسائها، على حجارتها، على بحرها، على مساجدها، على كنائسها، على ترابها الذي صار أقدس من صمت العالم كله.
في ذكرى السابع من أكتوبر، لا نحتفل بالموت، بل نحتفي بالحياة التي رفضت أن تُذبح صامتة. لا نمجّد الألم، بل نمجّد الصبر. لا نطلب الحرب، بل نطلب عدلا طال انتظاره. ولا نقول إن الدم غاية، بل نقول إن الحرية تستحق أن لا تُباع، وأن الكرامة إذا ضاعت ضاع معها الإنسان كله.
وصدق الله العظيم إذ قال في محكم تنزيله:
﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
اللهم يا ناصر المستضعفين، ويا قاصم الجبارين، ارحم شهداء غزة، واشف جرحاها، وانصر أهلها، واجبر كسرهم، وثبّت رميهم، واجعل نار عدوهم بردا وسلاما عليهم.
اللهم إن غزة قد صبرت حين خذلها الناس، فأنزل عليها نصرك، واكتب لأهلها فتحا يليق بثباتهم، وعزا يليق بتضحياتهم، وردّ فلسطين إلى أهلها ردا عزيزا كريما.
الرئيسية















